كذبة فصل الفن عن السياسة...
حين أعلنت الكاتبة والمخرجة الهندية أرونداتي روي انسحابها من مهرجان برلين السينمائي الدولي احتجاجًا على دعوات لجنة التحكيم إلى "إبعاد الفن عن السياسة"، بدا المشهد وكأنّه فصل جديد من جدل قديم... هل يستطيع الفن أن يتنفس خارج هواء السياسة والشأن العام؟
أرونداتي روي، المعروفة بمواقفها الحقوقية وجرأتها الفكرية وتعاطفها مع الفلسطينيين كضحايا للاحتلال، لم ترَ في التصريحات التي طالبت بتحييد السينما عن النزاعات الجارية دفاعًا عن الجمال، بل نوعًا من الحياد الكاذب. هو صمت في اللحظة التي يجب عليك أن تصرخ. لها التحية، فقد رفضت أن تُغلق نافذة الفن في وجه الألم ومسبّب الألم، ورفضت أن تتحول الشاشة الفضية إلى ستارة عزل أخلاقي بذريعة نقاء الفن.
هل يمكن فصل الفن عن السياسة أصلًا؟ وهل مهرجان برلين نفسه، الذي وُلد عام 1951 في خضم الحرب الباردة بين المعسكرين الشيوعي والرأسمالي، كان محايدًا؟ فمنذ تأسيسه كان منصّة ثقافية ذات دلالة أيديولوجية واضحة.
عُرضت على شاشاته أفلام عن الحروب والديكتاتوريات واللاجئين، وتحوّل عبر عقود إلى مساحة جدل ونقاش عام. لذلك يبدو الحديث عن "براءة خالصة" للفن انتقائيًا، فالفن عظيم حين يُوجَّه ضد أنظمة بعينها أو ضد عقيدة محددة، لكنه يصبح مشكلة عندما يُوجَّه ضد الاحتلال الإسرائيلي ويدين جرائمه.
في هذا السياق، جاءت دعوة "مؤسسة الفيلم الفلسطيني" إلى مقاطعة المهرجان احتجاجًا على هذا الموقف كخطوة أخلاقية متسقة مع فكرة أن الفن لا يمكن أن يكون شاهد زور. وقد استجاب بعض صناع السينما لهذه الدعوة وسحبوا أعمالهم، حيث أكدت إدارة المهرجان سحب فيلمي "أغنية توحة الحزينة" للمخرجة المصرية الراحلة عطيات الأبنودي و"انتزاع الكهرمان" للمخرج السوداني الراحل حسين شريف. يستحق أصحاب هذا القرار التحية لأنهم فضّلوا الانحياز إلى الضمير بدل الاكتفاء بصورة على السجادة الحمراء.
بما أنني لست سينمائيًا، أطرح الفكرة من زاوية فن الرواية. ماذا يبقى من أدب أميركا اللاتينية لو حذفنا من أدب غابرييل غارسيا ماركيز وماريو فارغاس يوسا وجورجي أماذو الاستعمار والانقلابات العسكرية والهيمنة الاقتصادية؟ وماذا يتبقى من الأدب والفنون الفلسطينية في كل مجالاتها لو عزلناها عن النكبة وتداعياتها والاحتلال المستمر والاستيطان ومصادرة الأرض التي ما زالت مستمرة وبصورة أفظع مما كانت؟ حتى كرة القدم الفلسطينية لا يمكن عزلها عن السياسة، ولا التلوث البيئي ولا أي تفصيل من تفاصيل الحياة اليومية.
السؤال هو: هل كل فن سياسي عظيم؟ بالطبع لا. الدعاية قد تفسد الفن حين تختزله إلى شعار.
لكن العظمة الفنية تولد من احتكاك العمل بزمنه، من قدرته على تحويل الجرح إلى لغة والصدمة إلى استعارة، والتاريخ إلى سرد متعدد الأصوات. الفن العظيم لا يذوب في السياسة ولا يهرب منها، بل يعيد صياغتها ويكشف تناقضاتها.
انسحاب أرونداتي روي من مهرجان برلين ليس حدثًا عابرًا، بل إشارة إلى توتر دائم بين الرغبة في حماية الفن من التوظيف الفج، وبين الاعتراف بأن الفن لا يعيش في غرفة منعزلة عن السياسة ومسببات المآسي الإنسانية!
الفنون كلها تصدر عن بشر يعيشون في مدن وقرى وبلدات وبيئة تحت سلطة ما، وداخل صراعات، وكل محاولات فصل الفنون عن السياقات التي نشأت فيها لا تمنحها نقاءً أكبر، بل تجرّدها من عمقها ومن الحقيقة.
هكذا أيضًا جرائم العنف التي تجري يوميًا في مجتمعنا لا يمكن فصلها عن السياق السياسي الملوث الذي تنمو فيه.
حين نسقط السياسة من الأدب والسينما لا نحصل على فن أنقى، بل على فن أفقر. بلا شك أن الفن ليس بيانًا تنظيميًا ولا شعارًا أيديولوجيًا، لكنه أيضًا ليس صمتًا أو تجاهلًا أو إدارة الظهر لآلام الناس وأسبابها!
لا يمكن فصل حياة الإنسان الفلسطيني، أينما كان، عن نكبة شعبه المستمرة، سواء كان في قطاع غزة أو الضفة الغربية أو داخل مناطق الـ48 أو في الشتات، حتى ولو أصبح أكبر رجل أعمال في العالم! هنالك جهات تحاول أن تسكت الأصوات الحرة بطرق شتى، أحيانًا بالتمويل المباشر، وأحيانًا بحجة تنقية الفن من السياسة. وموقف لجنة مهرجان برلين الحالي يندرج تحت حجة نقاء الفن من السياسة، وهو موقف ممالئ لسياسة الحكومة الألمانية التي تواطأت مع الاحتلال وحرب الإبادة.
محاولات استبعاد الأعمال التي تتطرق إلى الإبادة بحجة نقاء الفن ليست موقفًا جماليًا، بل هي انحياز أخلاقي وموقف سياسي متنكر. فالحياد بين القاتل والضحية ليس فضيلة، بل اختيارٌ واضح منحاز للقاتل مهما حاول أن يتزين بملابس الجمال.
بين الذريعة والقرار… من يحاسب أمام دم الفلسطينيين؟
معبر رفح: أكذوبة “التهجير الطوعي” والوصاية الأمريكية بغطاء دولي
التعافي الممنوع
القوائم التوافقية مخالفة دستورية؟ وواجب الدولة
حتى الـ60% غير مضمونة: 172 ألف موظف فلسطيني على حافة الانهيار… والوقت ينفد
حماس بين كتائب السلام البريطانية والأميركية
"التعاونيات الرقمية: استعادة العمل من قبضة المنصات".





