نعي وطن !
مقالات

نعي وطن !

قرارت اسرائيلية متسارعة ، في استغلال واضح لحالة الفرقة والتشرذم الفلسطيني ، والتفكك العربي والاسلامي ، والفوضى العالمية ، وانشغال المجتمع الدولي بملهاة قديمة حديثة " جزيرة ابستين " وغيرها من القضايا التي تصرف الانظار عن المشهد الفلسطيني الملتهب !! 

قرارات ، من دون شك تخالف كافة الاتفاقيات الثنائية ، والقوانين الدولية التي يجري تجميدها حين التطرق الى الوضع الفلسطيني والحقوق الوطنية المشروعة والمغتصبة للشعب العربي الفلسطيني !! واخرها بل وأخطرها على القضية الفلسطينية منذ عام 1917 ، هو اقرار ما يسمى الكنيست الاسرائيلي ضم الضفة الغربية وتعزيز المشاريع الاستيطانية فيها ، وإطلاق اليد للقوى الامنية الاحتلالية والاذرع المدنية ، الى درجة حق التدخل في المناطق المصنفة " A " الخاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية حسب اتفاقيات اوسلو ، ما يعني سحب تدريجي لصلاحيات السلطة الفلسطينية وتفريغها من مضمونها لصالح الادارة المدنية الاسرائيلية !! 

بطبيعة الحال وكما اعتادت الشعوب العربية من انظمتها في مثل هكذا قضايا  ، ردود الفعل لم تخرج عن اطارها بالرفض والتنديد والاستنكار والتحذير، والملفت للنظر ، ان لم يكن المدهش ، ان السلطة الفلسطينية رفضت بشكل قاطع الاجراءات الاسرائيلية ودعت كافة المؤسسات الى عدم التعامل معها والالتزام بالقوانين الفلسطينية ، واهابت بصمود الشعب الفلسطيني وثباته !! ولكن الصادم حقا ان هناك مسؤولين فلسطينيين ممن يعدون انفسهم من اولي الامر ، اعتبروا هذه الاجراءات الاحتلالية التعسفية ( إعلان حرب ) وكأن الحرب الفعلية على الشعب العربي الفلسطيني قد بدأت منذ إقرار ضم الضفة الغربية ، وما كان من قبل وما تخلله من مقاومة وقوافل من الشهداء والجرحى والاسرى والمهجرين واللاجئين والنازحين لم يكن حربا !؟ فلربما كان نزهة للاحتلال من وجهة نظر اؤلئك المسؤولين ، وهو ما يؤكد ان القيادة ما زالت في واد وشعبها في واد بعيد جدا !! 

يبدو ان القيادة الفلسطينية قد غاب عنها سلسلة من القرارات التعسفية السابقة التي اقرها الكنيست الاسرائيلي ، ومنها على سبيل المثال لا الحصر ، قانون اعدام الاسرى الفلسطينيين ، والذي بدأت بالفعل ما تسمى مصلحة السجون الاسرائيلية الاستعداد الفعلي لتطبيقه !! ومن قبل تسليح المستوطنين المتطرفين ، وإطلاق يدهم يعيثون فسادا وتدميرا وترهيبا في ارجاء الضفة الغربية ، والاعتداء على ممتلكات السكان الفلسطينيين العُزل !! 

ويبدو ان القيادة الفلسطينية لم تع بعد ما يجري في القدس ، وحملة التهويد المستعرة دون توقف ، وهدم المنازل ، واستباحة المقدسات الاسلامية والمسيحية ، وعلى رأسها المسجد الاقصى المبارك ، وبكل تأكيد ما زال الحلم التوراتي الصهيوني متألقا  ، حيث هناك من يدعو الى استغلال الفرصة السانحة وبسط السيطرة الكاملة على ساحاته وطمس هويته الاسلامية المحمدية ، وهدمه وبناء الهيكل المزعوم على انقاضه لا قدر الله ، ولربما سيكون شهر رمضان الحالي اخر شهر للمسلمين في اولى قبلتهم وثاني مساجدهم وثالث حرمهم ، اضافة الى التضييقات المبرمجة على المقدسيين القابضين على الجمر ، والارهاق النفسي والمادي ، لطمس هوية المدينة المقدسة وتفريغها من اهلها !! 

أما قطاع غزة ، فتلك حكاية لم تكن قد بدأت في السابع من اكتوبر 2023 ، انما استعرت منذ ذلك التاريخ ، ابادة جماعية بمعنى الكلمة ، هدم كلي لكل البُنى التحتية والمرافق الحيوية ، وجعل القطاع منطقة مبوءة غير صالحة للسكن !! 

والمتتبع ، يجد ان هناك اجراءات احتلالية تعسفية اخرى تصب في خانة بسط السيطرة الكاملة على المناطق الفلسطينية المحتلة ، وانهاء صلاحيات السلطة الفلسطينية ، ومعه المشروع الوطني الفلسطيني ، وبالتالي تصفية القضية الفلسطينية ، اجراءات من شأنها ان تدفع الى هجرة طوعية صامتة لسكان الضفة الغربية على وجه الخصوص ، حيث افادت تقارير أممية عن نزوح عشرات العائلات الفلسطينية من مناطق سكناها هربا من ترهيب واعتداءات المستوطنين الهمجية ، الى مناطق اكثر أمنا !! 

فهل وصلنا الى مرحلة ننعى فيها الوطن ؟ وهل يُمكن القول ان السلطة الفلسطينية قد دخلت عمليا في مرحلة الإنهيار والفشل التام وبداية التلاشي والتشظي والإندثار ؟؟ هل سنصل قريبا الى مرحلة لم نعد نملك فيها سلطة ولا وطنا ولا كيانا ؟! هل دخلنا حقا طريق النهاية بلا رجعة ؟ هل من الاولويات الحالية الانشغال بقضية الدستور والانتخابات والفرمنات الرئاسية والتعينات ، ام التوقف عن الصراع على سلطة بلا سلطة ، والالتفات الى الشارع واحتياجاته لتعزيز صموده بوجه آلة التهويد المدمرة ؟؟ 

الفلسطينييون بحاجة ملحة اكثر من اي وقت مضى للخروج من عنق الزجاجة التي ادخلوا انفسهم بها بايديهم ، وصراعاتهم والفساد الذي نخر عظامهم ، فقبل التوجه الى الدول العربية ، والمجتمع الدولي ، عليهم البدء بانفسهم اولا ، وتوحيد موقفهم الرسمي والشعبي والالتحام والقواعد الجماهيرية ، واعادة تهيئتها مجددا نحو الكفاح والنضال ، حتى ان وصل الامر الى عصيان مدني شامل مهما بلغ الثمن ، فبلوغ الحرية ليس بالامر الرخيص ، وبحاجة الى تضحيات جسيمة ، وان كانت فعلا الاجراءات الاسرائيلية بمثابة " اعلان حرب " فمنظمة التحرير الفلسطينية بصفتها الممثل الشرعي والوحيد للشعب العربي الفلسطيني مطالبة بسحب الاعتراف بدولة الكيان ، ووقف الالتزامات التي تحللت منها اصلا دولة الكيان ، فلم يعد هناك داعي للاصرارعلى الالتزام بها ، وبهذا الموقف سيكون دافعا قويا للفصائل المُقاطعة للمنظمة بالعودة اليها والانسجام مع الموقف الفلسطيني الموحد ، واستعادة ثقة الجماهير بممثلهم الشرعي ، وهو ما سيمنح الفلسطينيين قوة ، ويُشكل عاملا ضاغطا على دول الاقليم ومنطقة الشرق الاوسط برمتها ، والتي ستتضرر مصالحها ، ما سيدفعها الى ممارسة نفوذها بشكل اوسع واكثر حدة على المجتمع الدولي ، لكبح جماح الاحلام الصهيونية التوراتية . 

من دون شك ان المأزق الفلسطيني وصل الى حالة اما ان يكون الفلسطينيين او لا يكونوا ، فإن لم تُحرك القيادة الفلسطينية ساكنا وتعاطت مع الاجراءات الاسرائيلية بما لا يخدم المصلحة الوطنية العليا ، فانها ستكتب شهادة الوفاة للقضية الفلسطينية وحينها سيُلعن عن وفاة الوطن الفلسطيني المنشود ، ونعيه بكافة المحافل !!

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر وكالة صدى نيوز.