الجمعة 14 أغسطس 2020 - الساعة: 10:25
آخر الأخبار
حماس: نحن خلف الرئيس أبو مازن SadaNews حالة الطقس: أجواء صيفية حارة SadaNews اسعار العملات SadaNews سلسلة غارات إسرائيلية على عدة مواقع للمقاومة في قطاع غزة SadaNews الاتفاق بين الإمارات وإسرائيل سيوقع بالبيت الأبيض خلال 3 أسابيع SadaNews الرجوب يعلن حالة الاستنفار الوطني على الأرض SadaNews رؤساء مجالس المستوطنات يهاجمون نتنياهو بسبب اتفاق السلام SadaNews عريقات: الاتفاق الثلاثي طعنة في ظهر الشعب الفلسطيني SadaNews الأردن: على "اسرائيل" أن تختار بين السلام العادل أو استمرار الصراع SadaNews كوشنر: المباحثات بشأن الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي تجري منذ نحو عام ونصف SadaNews جاريد كوشنر: مزيد من الدول العربية قد تعلن قريبا التطبيع مع إسرائيل SadaNews تركيا تعلق على "الاتفاق التاريخي" بين إسرائيل والإمارات SadaNews دولة عربية تُهنئ الإمارات باتفاق السلام مع إسرائيل SadaNews 3 مليارات دولار حجم خسائر انفجار بيروت المؤمن عليها SadaNews هكذا حاول الموساد الإسرائيلي تجنيد الفنان الراحل سمير الإسكندراني SadaNews كلبة تحبط تهريب ربع مليون يورو SadaNews ما أسباب إصابة الشباب بالجلطات الدموية؟ SadaNews وزيرة الصحة تترأس اجتماعاً للجنة كورونا الوطنية لمناقشة عدد من القضايا SadaNews ماذا يحدث لجسمك بعد التوقف عن تناول اللحم نهائيًا؟ SadaNews أبرز مبادرات السلام والاتفاقات بين فلسطين وإسرائيل

يتفوقن ويستمر التمييز!

يتفوقن ويستمر التمييز!

أثارت نتائج الثانوية العامة لهذا العام تحديات وأسئلة وفرحاً واحتجاجاً على الفرح بمستوى من الجرعات أكثر من السنوات التالية، قد تكون الحدة التي بدت في سلوكيات أفراد وجماعات ومجتمع، تعود لمعاودة فيروس كورونا في موجة هجوم أشد فتكاً وضرراً وتعطيلاً لسبل العيش، وللأزمة الاقتصادية الخانقة المترتبة على انتشار الوباء والحصار المالي،  وللتجاهل الإسرائيلي العدمي للحقوق الوطنية، فضلاً عن حالة الضعف التي المستوى الرسمي والمعارض في مواجهة التحديات.
أبدأ بسؤال لماذا اتسم الاحتفال بنتائج التوجيهي بصخب فاق احتفالات السنوات الماضية ؟ لا شك ان طلبة التوجيهي عاشوا هذا العام شروطاً أقسى، فقد شملهم الحَجْر الصحي الشامل للوقاية من فيروس كورونا، وكانوا في العادة يَحجرون أنفسهم لغاية الاستعداد المكثف لامتحان التوجيهي وتأكيد حفظ المواد. أصبح الحَجْر حَجْرّين. الجديد أن سلطة العائلة التي تحث الأبناء والبنات على الدراسة والحفظ وتحاول ان تضعهم في العناية الفائقة لإكمال المهمة، تغير سلوكها وهي تتولى الإشراف من موقعها الجديد المحجور والمأزوم اقتصادياً، ازدادت شدة من موقعها المحجور، وانعكس أداء السلطة العائلية المحجورة على الأبناء بزيادة ومفاقمة التوتر والشد العصبي. كانت سيكولوجية طالب وطالبة التوجيهي في ظل الحجر الطوعي للحفظ تنطوي على نوع من الاستلاب وما يعنيه ذلك من خضوع لعملية الحفظ، فالحفظ  كأسلوب إيداع للمعلومات والتمرن على استعادتها أثناء الامتحان والخلاص منها بعد انتهاء الامتحان والتي تبلغ أوجها أحياناً بتمزيق الكتب او حرقها. عندما تعلن النتائج بالفوز تحديداً، يخرج الفائزون والفائزات من قبضة الحَجْر الطوعي وفي حالتنا الحَجْرين، يتنسمون الحرية متمردين على استلابهم، بالألعاب النارية وبإطلاق الرصاص وبمواكب السيارات التي تطلق العنان لأبواقها، غير عابئين وعابئات بما يتسببون به من إزعاج للمواطنين من خارج الدائرة. وبهذا المعنى فإنهم يتمردون على استلابهم، وليتحمل المجتمع متاعب إجازته لهذا الشكل من التعليم اللا تحرري القائم على إيداع المعلومات واستعادتها بصرف النظر عن وظيفة العلوم والتعلم والتعليم في المجتمعات والبلدان المتطورة. هذا يطرح إعادة النظر بكل عناصر العملية التعليمية بما في ذلك امتحان التوجيهي، ويطرح سؤال ماذا نريد من التعليم والعلم؟ وهنا جذر المشكلة، وما الصخب والإزعاج والخسائر الا نتيجة منطقية لنظام التعليم السائد في بلدنا.       
 بينت نتائج امتحان التوجيهي لهذا العام انه من أصل 40 طالباً وطالبة أوائل أو في عداد العشرة الأوائل، حصدت البنات 35 مركزاً متفوقاً في كل الفروع بنسبة 87.5% مقابل 5 مراكز للأولاد بنسبة 12.5%. اذا ما أضيف لذلك زيادة عدد الطالبات في الجامعات والمعاهد العليا الى ما ينوف 62%،  وزيادة عدد الإناث المشتغلات في سوق العمل لتصل الى 24% - النسبة تتضمن العاملات بدون أجر في الاقتصاد العائلي-.  وزيادة نسبة المستعدات للانضمام الى سوق العمل، الناجمة عن الزيادة في عدد الخريجات الجامعيات وزيادة نسبة النساء اللواتي يُعِلْن أسراً بنسبة تفوق 11% من مجموع الإعالات، فضلا عن زيادة الإعالات المشتركة وبخاصة جيل الألفية الثانية فما فوق. 
هذا التطور لا شك انه مستقل عن الوعي السياسي والاجتماعي السائد، ورغم هشاشة الاستثمار فيه من قبل بعض النخب، إلا انه مهم كونه يشكل مادة خاماً او مرتكزاً مادياً للعمل على تغيير مكانة النساء في المجتمع وانتقالهن الى موقع الشريك على قدم المساواة. ما حدث  مع النساء على صعيد التعليم والعمل والتفوق الآن يشبه ما حدث في بداية الثورة الصناعية عندما اضطرت الرأسمالية الى استيعاب القوى العاملة بأعداد ضخمة، بما في ذلك تشجيع عمل النساء، حينها وصف الفلاسفة تلك العملية بأن الرأسمالية تحفر قبرها بيدها وهي تصنع نقيضها. في تلك الفترة حدث التطور المادي بمعزل عن الوعي، لكن الوعي أخذ ينبثق عبر قوى ثورية ونخب فكرية طرحت مهمة حل التناقض.
عندنا لا يوجد اي انعكاس لحضور البنات المتعاظم في التعليم من موقع متفوق، البنات يتفوقن والتمييز ضدهن يتواصل، وقد احتدم مؤخراً في رفض ومقاومة مشروع قانون حماية الأسرة ومن قبله رفض ومعارضة اتفاقية سيداو التي تدعو الى إزالة كل أشكال التمييز. البنات يتفوقن ونظام التعليم  اللا تحرري بكل مكوناته، يدعم التمييز ضدهن من خلال دفاعه عن قيود تحرم العقل الذكوري والأنثوي من التفكير، وقيود تخضع الإناث لولاية الذكور. يُحل هذا التناقض بالاستجابة لتطور مكانة البنات في التعليم وبالاستجابة لحاجة المجتمع لإشراكهن على قدم المساواة، وبهزيمة الفكر الرجعي ووقف تغلغله في صفوف المجتمع. الاستجابة تكون عبر منظومة قوانين بديلة للقوانين المتخلفة التي عفا عنها الزمن، وعبر نظام تعليمي تحرري ديمقراطي يزيل القيود والوصاية الاجتماعية والسياسية والثقافة الداعشية التي تحاول تكريس نوع جديد من الجهل المقدس، نظام تعليمي يطلق الطاقات الواعدة والكامنة للاجيال كي تصنع مستقبلها بنفسها. ويُحل التناقض ايضا عبر اقتصاد تعاوني منتج يستند الى تطوير الموارد الذاتية من داخل المجتمع كبديل للاقتصاد الريعي «المتسول»  في حالتنا الفلسطينية. ما لم يحل هذا التناقض لمصلحة المساواة فسيتم إهدار الطاقات الكبيرة للبنات، ويتم قطع الطريق على تطور المجتمع.
 عناوين أخرى أثارتها نتائج الثانوية العامة لهذه السنة أهمها، زيادة  نسبة الملتحقين بالفرع الادبي الى 62.4% واذا اضيف لها فروع اخرى تنتمي للفرع الادبي ترتفع النسبة الى 72.6% . مقابل 26.4% ينتمون للفرع العلمي وبعض الفروع ذات الصلة. السؤال لماذا تنخفض نسبة الفرع العلمي إبان الثورة الرقمية وتكنولوجيا الاتصال وتطور العلوم والبحث والمعرفة والاركيولوجيا والانثروبولوجيا. الانخفاض لا يتناسب أبداً مع ضرورة مواكبة الأجيال الجديدة للعصر الذي صار متطلبه الأساسي  تطوير ملكات الإبداع والابتكار والاختراع والتفكير والطموح والانفتاح. ولا شك ان عدم المواكبة والتطوير يضعنا خارج مكان وزمان الدول والشعوب المتطورة. لم يعد نظام -علمي أدبي- الذي ينمط العقول، يناسب العصر. كما لم يعد نظام التوجيهي والامتحان الحاسم في تقدير المستوى العلمي للطلبة يلائم التعليم الحديث. الانتقال الى نظام تعليم تحرري جديد يزيل القيود عن العقول، وينهي تقسيم الطلاب الى علمي وأدبي بهذه الصيغة النمطية ويحترم الميول والتخصصات بصيغة أنظمة التعليم الحديثة، ولا يكون فيه امتحان توجيهي يستدعي المعلومات المودعة بنظام الحفظ والتلقين. دعونا نقارن المشهد الاجتماعي الفلسطيني أثناء إعلان نتائج التوجيهي، والمشهد الاجتماعي الفنلندي او الياباني او الفرنسي مع انتهاء عام دراسي والانتقال الى الدراسة في الجامعة في تلك البلدان، ماذا سنجد؟، سنجد فرقاً مدهشاً، اقله سنكون في حالة لا نحتاج فيها الى جلبة فرح ملتبس!
 

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر وكالة صدى نيوز.