في أصل هدف إحباط إقامة دولة فلسطينية
يتبنّى بعض معارضي السياسة الإسرائيلية الحالية حيال الضفة الغربية، والتي توصف بحقّ بأنها بمثابة ضمّ للضفة الغربية حتى من دون إعلان رسمي بغية الإحباط النهائي لما يُعرف باسم حل الدولتين الذي يتضمّن إقامة دولة فلسطينية، مقاربةً فحواها أنه على الأقل منذ بدء عمل الحكومة الإسرائيلية الحالية في أواخر عام 2022، فإن حزب الصهيونية الدينية، بالرغم من أنه أقلية لا يُتوقع أن تتجاوز نسبة الحسم في الانتخابات المقبلة، وفقاً لآخر استطلاعات الرأي العام، يفرض رؤيته الأيديولوجية على الدولة بأسرها.
وهي رؤية سبق لكاتب هذه السطور أن كتب مراراً أنها ترمي إلى تفكيك السلطة الفلسطينية، باعتبار ذلك جزءاً من خطة "تغيير الحمض النووي للضفة الغربية (من تحت الرادار)"، بحسب توصيف أحد المتابعين، والوصول إلى "نقطة اللاعودة" التي لن تسمح لا بالفصل بين الشعبين ولا بقيام دولة فلسطينية. ولا ينبغي أن نملّ من تكرار أن زعيم "الصهيونية الدينية"، الوزير بتسلئيل سموتريتش، عرض قبل أشهر خطة عمل مفصّلة لتحقيق هذه الرؤية، تتماشى مع "خطة الحسم" التي نشرها في عام 2017، وتتضمّن ضمّ 82% من أراضي الضفة الغربية بما في ذلك قلقيلية وبيت لحم، وخلق جيوب فلسطينية على شاكلة الكيانات المصطنعة التي أقامها نظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا (البانتوستانات).
تناقض الحقيقة هذه المقاربة، فالمواقف السياسية، ناهيك عن الوقائع، تثبت أن هدف إحباط إقامة دولة فلسطينية في الأراضي التي احتُلّت عام 1967 غير مقتصر على اليمين الإسرائيلي الحاكم، بل كان مشترَكاً بين كثيرين في المعسكر المفروض أنه معارض، ومثلما يُشار مراراً، فقد عارض قيامها حتى بعد اتفاقيات أوسلو رؤساء حكومات حزب العمل، يتسحاق رابين، وشمعون بيريز، وإيهود باراك. كما أن اللجوء إلى غاية فصْل سكان قطاع غزة عن سكان الضفة الغربية، باعتبار ذلك الشرط الضروري لإحباط قيام الدولة الفلسطينية، بدأ في تسعينيات القرن العشرين الماضي. وأما التهجير وفق مبدأ "أرض أكثر وعرب أقل"، فقد كان مرجعاً ودليلاً في الحركة الصهيونية قبل عام 1948، وعندما وضعت الخطط الديموغرافية في غزة والضفة الغربية.
وفي ما يتعلق بالضفة الغربية تحديداً، تتصرّف حكومات بنيامين نتنياهو منذ حزيران/ يونيو 2012 على الأقل، بموجب خلاصات ما عرف في حينه بـ"تقرير لجنة فحص البناء الاستيطاني في الضفة الغربية"، التي ترأسها قاضي المحكمة العليا المتقاعد، إدموند ليفي، وفيها أنه لا يوجد احتلال في الضفّة، ولا يتعيّن على الدولة التعامل مع نهب أراضي الفلسطينيين وإقامة بؤر استيطانية عشوائية عليها، فهذا من اختصاص المحاكم الإسرائيلية بادّعاء أن هذه أراض متنازع عليها. واستند استنتاج هذه اللجنة أنه "لا يوجد احتلال" إلى أن إسرائيل احتلت الضفة الغربية عندما كانت بيد الأردن، وإلى أنه منذ البداية كان يوجد خلاف فيما يتعلق بسيادة الأردن عليها. وأشار تقرير اللجنة أيضاً إلى أنه في عام 1988 أعلن الأردن فك ارتباطه مع الضفة، وتنازل عن أي مطالب إقليمية وجغرافية. بالإضافة إلى ذلك، اعتبر التقرير أن لدى إسرائيل سبباً لادّعاء أن الضفة تابعة لها، وفقا لوعد بلفور، ولأن العرب لم يوافقوا على قرار التقسيم.
وكان واضحاً في حينه أن هذا التقرير يعيش على إرث أو على الأثر المفتوح لاتفاق أوسلو، الذي نصّ على إبقاء مساحة واسعة في الضفة الغربية (أكثر من 60%) في يد إسرائيل مع أقل عدد من الفلسطينيين، وتولى المستوطنون وأنصارهم المتزايدون في المؤسّسة الإسرائيلية، منذ منتصف التسعينيات، مهمة منع إعادة هذه المساحة من الضفة إلى الفلسطينيين، عبر إقامة بؤر استيطانية متزايدة، والعنف المتصاعد الذي يمارسونه من دون أي عقوبة أو ردع، والضغط السياسي الهائل على الإدارة المدنية لمنع أي بناء فلسطيني، وحالياً من خلال قوانين الضمّ الرسمية التي جرى التقدّم بها إلى السلطة التشريعية.
طوفان الاستيطان والتهجير في الضفة
السلطة الوطنية بين المجرد والملموس
الثنائية اللغوية في بلجيكا: بين الشرعية السياسية وصراع الهوية
إبستين.. اختبار أخلاقي للنخبة الدولية
ما وراء خطاب التقشف: هل انتهت حلول الأرض أم انتهى زمن التبعية؟
السلطة بين الانكماش وخطر التفكك .. ما العمل لإعادة تعريف المشروع الوطني؟
لماذا يجب الآن الوقوف إلى جانب السلطة الوطنية الفلسطينية؟





