إبستين.. اختبار أخلاقي للنخبة الدولية
-كاتب وصحفي مختص بالشؤون الدولية، وباحث في قضايا العدالة والنزاعات المسلحة
لم تعد قضية رجل الأعمال الأميركي الراحل Jeffrey Epstein مجرد فضيحة جنائية تتعلق بشبكة استغلال جنسي عابرة للحدود، بل تحوّلت إلى واحدة من أكثر القضايا كاشفيةً لطبيعة العلاقة بين المال والنفوذ والسياسة في النظام الدولي المعاصر. فكلما انكشفت تفاصيل جديدة، بدا واضحًا أن المسألة تتجاوز سلوكًا فرديًا منحرفًا إلى سؤال بنيوي يمسّ منظومة النخبة العالمية ذاتها.
إبستين، الذي أدين عام 2008 ثم وُجّهت إليه اتهامات فيدرالية جديدة عام 2019 قبل وفاته داخل محبسه، لم يكن يتحرك في الهامش. بل كان حاضرًا في قلب شبكات النفوذ: علاقات مع سياسيين سابقين وحاليين، تبرعات لمؤسسات أكاديمية مرموقة، وصلات بمراكز تفكير ودبلوماسيين ومسؤولين دوليين. هذه الشبكة، أكثر من تفاصيل الجرائم نفسها، هي ما يجعل القضية عصيّة على الطيّ.
شبكة نفوذ تتجاوز الجريمة
تكمن خطورة القضية في أنها كشفت عن قابلية بعض مؤسسات النخبة لقبول التمويل أو إقامة العلاقات رغم السمعة المشوبة، بل وحتى بعد صدور إدانة قضائية. هنا لا يعود السؤال قانونيًا فحسب، بل أخلاقيًا وسياسيًا: ما هي المعايير التي تحكم قبول التبرعات؟ وأين تنتهي البراغماتية ويبدأ التواطؤ الصامت؟
وفي هذا السياق، أثارت تقارير إعلامية تساؤلات حول علاقات محتملة بين إبستين والدبلوماسي النرويجي Terje Rød-Larsen، الرئيس السابق لـ International Peace Institute. فالمعهد، الذي يُقدَّم باعتباره منصة للحوار وصناعة السلام، قيل إنه تلقّى تبرعات من إبستين حتى بعد إدانته الأولى. ورغم أن الجدل لم يثبت إدانة جنائية في هذا السياق، فإن البعد الرمزي للمسألة كان كافيًا لزعزعة الصورة الأخلاقية.
بين الخطاب والممارسة
حين تتقاطع أسماء مرتبطة بخطاب “السلام الدولي” مع واحدة من أكثر قضايا الاستغلال إثارة للصدمة في العصر الحديث، يصبح السؤال مشروعًا: هل نحن أمام أخطاء فردية في تقدير الموقف؟ أم أمام ثقافة نخبوية مغلقة تتبادل الثقة والمصالح بعيدًا عن أعين الرقابة العامة؟
المفارقة أن النظام الدولي نفسه، الذي لا يتردد في مطالبة الدول النامية بمعايير صارمة للشفافية والحكم الرشيد، يجد صعوبة في تطبيق المعايير ذاتها داخل مؤسساته وشبكاته. هذه الازدواجية هي ما يمنح قضية إبستين بعدها السياسي، لا القضائي فقط.
خلل بنيوي أم لحظة مراجعة؟
الأسهل دائمًا هو تحميل المسؤولية لأفراد بعينهم، ثم إعلان نهاية القصة. لكن ما تكشفه هذه القضية هو احتمال وجود خلل بنيوي في منظومة تُدار عبر دوائر ضيقة من المال والنفوذ، حيث تُصبح السمعة الدولية حصانة غير معلنة، ويُستبدل التدقيق الأخلاقي بحسابات العلاقات العامة.
إعادة بناء الثقة تتطلب ما هو أبعد من بيانات توضيحية أو استقالات متأخرة. إنها تستدعي:
شفافية كاملة في مصادر التمويل، آليات تدقيق مستقلة داخل مراكز التفكير والمؤسسات الدولية، وإقرارًا بأن احتكار خطاب القيم لا يعفي من المساءلة.
قضية إبستين ليست مجرد فصل مظلم في سيرة رجل ثري، بل اختبار أخلاقي للنخبة الدولية برمتها. فإما أن تكون القيم التي تُرفع في المؤتمرات والبيانات التأسيسية ملزمة لأصحابها قبل غيرهم، أو أن تبقى مجرد لغة منمّقة تُستخدم حين تخدم المصلحة، وتُنسى حين تتعارض معها.
وفي عالم يعاني أصلًا من أزمة ثقة عميقة بالمؤسسات الدولية، قد يكون أخطر ما في هذه القضية ليس ما كُشف، بل ما لم يُكشف بعد.
ما وراء خطاب التقشف: هل انتهت حلول الأرض أم انتهى زمن التبعية؟
السلطة بين الانكماش وخطر التفكك .. ما العمل لإعادة تعريف المشروع الوطني؟
لماذا يجب الآن الوقوف إلى جانب السلطة الوطنية الفلسطينية؟
حادثة طوباس ترفع الستار عن الحالة الفلسطينية المتردية ومدى ضرورة الكم الكبير للاجهزة الام...
خلاصات استراتيجية أردنية كبرى
واشنطن وطهران و"صفقة العصر": عندما يدور الشرق في فلك أميركا
الاتصال في فلسطين: من يدير السمعة ومن يصنع الأزمات؟





