خلاصات استراتيجية أردنية كبرى
تشي اللقاءات الخاصة، التي يجريها الملك عبد الله الثاني بصورة دائمة، مع نخبٍ من السياسيين الأردنيين، بأنّ مطبخ القرار في عمّان يريد أن يوسّع هامش الحركة السياسية الأردنية، دوليًا، من خلال الانفتاح السياسي والاقتصادي على دول مسلمة وصديقة في آسيا، وهو ما تفسّره جولة الملك أخيرًا في عدة دول فيها، وتوقيع اتفاقيات وتطوير تفاهمات اقتصادية بدرجة رئيسية، وكذلك الحال تعزيز العلاقة مع الاتحاد الأوروبي، وهو ما أدّى إلى توقيع اتفاقية لزيادة المساعدات والمنح المقدمة منه إلى الأردن بصورة كبيرة.
ولكن أهم ما في هذه المراجعة السياسية الأردنية ما يتعلّق بالدروس المستفادة عسكريًا واستراتيجيًا من الحرب على غزّة وما تلاها من تطورات إقليمية. ويمكن الحديث هنا عن ثلاث خلاصات رئيسية، تتعلق بمصادر التهديد للأمن القومي الأردني، وإعادة تعريف المصالح الاستراتيجية والتحالفات الإقليمية، وأخيرًا التحوّل في مفهوم الحروب وعلاقة ذلك بالتكنولوجيا العسكرية.
تتعلّق الخلاصة الأولى بتعزيز القناعة بأنّ مصدر التهديد الرئيس للأردن، خلال الأعوام الأخيرة والمقبلة، هي الحكومة اليمينية الإسرائيلية. ولكن من الواضح، في الوقت نفسه، أنّ هنالك انزياحًا كاملًا في الوسط السياسي والانتخابي الإسرائيلي وفي اتجاهات المجتمع الإسرائيلي نحو السلام وحل الدولتين، ووجود حالةٍ من الإجماع في الأوساط السياسية والعسكرية الإسرائيلية بضم الضفة الغربية وإنهاء السلطة الفلسطينية سياسيًا ولوجستيًا وقانونيًا، ما يعني أنّ هنالك انعكاسات على مستويات متعددة وخطيرة على الأردن، وهو ما دفع إلى نقاشاتٍ داخليةٍ في أوساط قريبة من الديوان الملكي للسيناريوهات والخيارات الاستراتيجية الأردنية، وتشكيل لجنةٍ تضم عدة سياسيين وقيادات بارزة لتقديم نتائجها لمطبخ القرار.
تتحدّث بعض النقاشات بصورة واضحة عن ضرورة مراجعة السياسات الأردنية تجاه الضفة الغربية وإسرائيل وانخراط أردني أكبر في هذا الملف، ومحاولة استباق (أو مواجهة) الخطوات المتتابعة التي تقوم بها الحكومة الإسرائيلية، من قرارات وسياسات، في سبيل الوصول إلى إنهاء القضية الفلسطينية والوصاية الهاشمية على القدس وضم الضفة الغربية والسيطرة على الأراضي وتهديد الوجود الفلسطيني بصورة كاملة هناك.
وتتمثل الخلاصة الثانية بأنّ المصالح الاستراتيجية الأردنية تقتضي تعزيز العلاقات مع المحور الجديد الذي يتشكّل، من كل من السعودية وتركيا وقطر ومصر، وإذا كان الأردن يدرك تمامًا أنّ هنالك أزمة كبيرة في العلاقات بين السعودية والإمارات، وهما حليفتان للأردن، فإنّ موقفه من هذه الأزمة الابتعاد والحياد، واستراتيجيًا تعزيز (وتعميق) العلاقات مع السعودية التي تتشابه علاقاتها مع الأردن إلى درجة كبيرة، ومع تركيا التي كانت تشكّل سابقًا مصدر إزعاج للأردن، لما كانت تشكله من حليف استراتيجي لحركات الإسلام السياسي. ويبدو اليوم أنّ مرحلة ما بعد غزّة والسياسات الإسرائيلية الإقليمية تقرّب بين عمّان وأنقرة إلى مرحلة عميقة، وتشكل لدى عمّان حافزًا لاعتبار هذه العلاقة استراتيجية في المرحلة المقبلة.
ثمّة مساحة واسعة في المصالح والرؤية المشتركة بين الأردن وتركيا، في موقفهما من إسرائيل والوضع في سورية والحالة الدولية أيضًا، فكلاهما صديق للولايات المتحدة في المنطقة، لكنهما يخشيان سياسات ترامب وعلاقته مع بنيامين نتنياهو ويعارضان الحرب على إيران، ويريدان سورية موحّدة، ويخشيان استيلاء إسرائيل على الضفة والقدس.
الخلاصة الثالثة والأخيرة هي التي تُرجمت من خلال رسالة بعثها الملك إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات المسلحة الأردنية، وتطلب منه إعادة هيكلة القوات المسلحة واستدخال التكنولوجيا والدراسات العلمية وتطوير القوات لتكون مرنة وكفوءة وقادرة على التعامل مع المفهوم الجديد للحروب العسكرية، بخاصة في هذه المنطقة، الموبوءة بالصراعات وبالطبيعة المعقدة لها، ما بين صراعات عسكرية بين جيوش نظامية ومليشيات والدور المتزايد للمسيّرات والحروب السيبرانية. والواضح أنّ هنالك خطة كاملة لتطوير القوات المسلحة الأردنية للتعامل مع هذا النوع الجديد، بما يشمل الصناعات العسكرية وتنويع التعاون، وما يؤشر عليه هو الاتفاقيات الأردنية - التركية المتعلقة بالصناعات الدفاعية والزوارق البحرية، وهنالك حديث عن تعاون أكبر مع بعض الدول الأوروبية في هذا المجال أيضًا.
السلطة بين الانكماش وخطر التفكك .. ما العمل لإعادة تعريف المشروع الوطني؟
لماذا يجب الآن الوقوف إلى جانب السلطة الوطنية الفلسطينية؟
حادثة طوباس ترفع الستار عن الحالة الفلسطينية المتردية ومدى ضرورة الكم الكبير للاجهزة الام...
واشنطن وطهران و"صفقة العصر": عندما يدور الشرق في فلك أميركا
الاتصال في فلسطين: من يدير السمعة ومن يصنع الأزمات؟
كذبة فصل الفن عن السياسة...
بين الذريعة والقرار… من يحاسب أمام دم الفلسطينيين؟





