حين يصبح الوطن امتيازًا لا انتماءً
ليست أخطر الأزمات التي تواجه الدول هي الحروب أو الأزمات الاقتصادية، بل تلك اللحظة التي يبدأ فيها المواطن بفقدان شعوره بأن الوطن ملك له. ففي اللحظة التي يتحول فيها الوطن، في وعي الناس، إلى مساحة تحتكرها فئة محدودة من حيث السلطة أو الثروة أو القرار، تتغير العلاقة بين الفرد والدولة من علاقة انتماء وشراكة إلى علاقة اغتراب وحسابات فردية.
الدولة الحديثة لا تقوم على القوة وحدها، بل على عقد اجتماعي غير مكتوب، يقوم على مبدأ بسيط: أن يشعر كل مواطن بأنه شريك في الحقوق والواجبات، وأن القانون يحمي الجميع دون تمييز. وعندما يختل هذا التوازن، يبدأ الشعور بالمواطنة بالتآكل، ويحل محله سؤال آخر: كيف أحمي نفسي؟ بدلًا من كيف أخدم وطني؟
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية. فالتضحية ليست قرارًا تفرضه القوانين، بل قيمة تنبع من الإحساس بالعدالة والانتماء. لا يمكن أن تطلب من المواطن أن يدافع عن مؤسسات لا يشعر بأنها تمثله، أو أن يتحمل أعباءً وطنية بينما يرى الامتيازات محصورة في دائرة ضيقة. فكلما اتسعت الفجوة بين الدولة والمجتمع، تراجعت الثقة، ومعها تراجعت روح المبادرة والمسؤولية العامة.
لكن من المهم أيضًا التمييز بين الوطن والسلطة. فالوطن هو الأرض والناس والتاريخ والهوية، أما السلطة فهي إدارة سياسية قابلة للتغيير. وقد أثبتت تجارب الشعوب أن كثيرًا من المواطنين ظلوا أوفياء لأوطانهم رغم اعتراضهم على حكوماتهم، لأن انتماءهم كان للوطن لا للنظام السياسي.
إن بناء دولة قوية لا يبدأ من مطالبة الناس بالمزيد من التضحية، بل من بناء الثقة بينهم وبين مؤسساتهم. فالعدالة، وسيادة القانون، وتكافؤ الفرص، والمشاركة في صنع القرار، ليست شعارات سياسية، بل هي الأساس الذي يجعل المواطن يرى في نجاح الدولة نجاحًا له، وفي الدفاع عنها دفاعًا عن مستقبله ومستقبل أبنائه.
وفي الحالة الفلسطينية، تكتسب هذه الفكرة بعدًا أكثر حساسية. فالشعب الذي قدم تضحيات استثنائية عبر عقود يحتاج اليوم إلى مؤسسات وطنية تعزز ثقته، وتحفظ وحدته، وتؤكد أن تضحياته تُترجم إلى مشروع وطني جامع، لا إلى مكاسب فئوية أو انقسامات داخلية. فالتحديات الوجودية التي تواجه فلسطين تجعل من استعادة الثقة بين المواطن والمؤسسات الوطنية ضرورة استراتيجية، وليست مجرد قضية إدارية أو سياسية.
في النهاية، لا تُقاس قوة الدول بعدد القوانين التي تفرضها، بل بمقدار الانتماء الذي تزرعه في نفوس مواطنيها. فحين يشعر الإنسان أن الوطن وطنه حقًا، يصبح مستعدًا للعطاء والتضحية. أما حين يفقد هذا الشعور، فإن غريزة البقاء تتقدم على الواجب الوطني، وتصبح النجاة الفردية خيارًا منطقيًا في نظر كثيرين. ولهذا، فإن الطريق إلى دولة قوية لا يمر عبر مطالبة المواطنين بالتضحية، بل عبر بناء وطن يشعر الجميع أنهم شركاء متساوون فيه، وأن حقوقهم وكرامتهم ومستقبلهم مصونة فيه.
أزمة المقاصة من الخزينة إلى الأسرة: تداعيات معيشية تعمّق الدورة الاقتصادية الفلسطينية المق...
حين يكتبون النهاية... تبدأ الحكاية ..
اقتصاد فلسطيني... أم اقتصادان؟
مروان البرغوثي والأسرى الفلسطينيون… الامتحان الحقيقي للقانون الدولي
التأسيس الثالث لفلسطين: في مواجهة هندسة التفكك
نتنياهو يكتب رواية الحرب… ويبدأ معركة الانتخابات
التجارة الإلكترونية في فلسطين: فرصة للبقاء الاقتصادي أم عبء تنظيمي قد يهدد المشاريع الناشئ...






