أزمة المقاصة من الخزينة إلى الأسرة: تداعيات معيشية تعمّق الدورة الاقتصادية الفلسطينية المقيّدة
تكشف نتائج استطلاع المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي (PCPO) أن أزمة أموال المقاصة تجاوزت حدود الخزينة العامة ورواتب الموظفين، لتتحول إلى أزمة معيشية واقتصادية تمس دخل الأسرة، وقدرتها الشرائية، وديونها، ونمط إنفاقها، وتنعكس على الأسواق وفرص العمل.
وفي تطور يزيد من حدة الأزمة، أقرت الهيئة العامة للكنيست الإسرائيلي، بالقراءة التمهيدية، مشروع قانون يتيح تجميد ومصادرة مبالغ إضافية من أموال المقاصة، تعادل ما أنفقته السلطة الفلسطينية على قطاع غزة خلال العام السابق، واستخدامها لتعويض إسرائيليين تضرروا من عمليات انطلقت من القطاع. وقد أُحيل المشروع إلى لجنة الشؤون الخارجية والأمن لاستكمال إجراءات التشريع.
وبذلك، تبدأ تداعيات الأزمة من احتجاز الإيرادات العامة، ثم تنتقل إلى الأسرة والسوق والإنتاج، قبل أن تعود إلى الخزينة في صورة تراجع الإيرادات واتساع العجز. ومع استمرار الاختناق المالي والضغط على الخدمات العامة، تتزايد مخاطر تحولها إلى انكماش اقتصادي واجتماعي ممتد، بما يعمّق الدورة الاقتصادية الفلسطينية المقيّدة.
منهجية الاستطلاع
أجرى المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي هذا الاستطلاع خلال الفترة الممتدة من 24 حزيران/يونيو إلى 5 تموز/يوليو 2026، بهدف استكشاف مواقف المواطنين الفلسطينيين وتقييمهم لتداعيات أزمة أموال المقاصة وتأخر صرف الرواتب على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية. واعتمد الاستطلاع أسلوب المقابلات الهاتفية بمساعدة الحاسوب (CATI)، باستخدام تقنية الاتصال العشوائي بالأرقام (RDD). وشملت العينة 503 مواطنين ومواطنات من الفلسطينيين البالغين 18 عاماً فأكثر في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة. وتوزعت العينة جغرافياً بواقع 67.6% في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، و32.4% في قطاع غزة. كما بلغت نسبة الذكور 53.3%، مقابل 46.7% للإناث. وشكلت الفئتان العمريتان من 18 إلى 34 سنة معاً 49.3% من العينة، في حين بلغت نسبة من أعمارهم 35 سنة فأكثر 50.7%، بما يعكس توزيعاً عمرياً متوازناً تقريباً، مع ارتفاع طفيف لصالح الفئات الأكبر سناً. وبلغ معدل الاستجابة في الاستطلاع 65%، فيما بلغ هامش الخطأ نحو ±4.4% عند مستوى ثقة 95%، الأمر الذي يوفر أساساً مناسباً لقراءة الاتجاهات العامة لدى مختلف شرائح المجتمع الفلسطيني.
لفهم نتائج الاستطلاع: المشكلة في المعادلة لا في دفعة مالية واحدة
قبل قراءة نتائج الاستطلاع، من الضروري توضيح أن أموال المقاصة ليست منحة إسرائيلية أو مساعدة خارجية، بل إيرادات فلسطينية ناتجة عن الضرائب والجمارك وضريبة القيمة المضافة والرسوم المفروضة على السلع والبضائع المتجهة إلى السوق الفلسطينية.
وبموجب بروتوكول باريس الاقتصادي لعام 1994، تتولى إسرائيل جباية هذه الإيرادات بحكم سيطرتها على الموانئ والمعابر والحدود الخارجية، ثم يُفترض أن تحولها دورياً إلى وزارة المالية الفلسطينية بعد اقتطاع رسوم إدارية تقارب 3% مقابل التحصيل والتحويل.
وتتراوح إيرادات المقاصة عادة بين 700 مليون ومليار شيكل شهرياً، وتشكل في معظم السنوات نحو 60% إلى 70% من إجمالي الإيرادات العامة الفلسطينية. ولهذا فهي تمثل المصدر الرئيسي لتمويل رواتب الموظفين، وخدمات التعليم والصحة والحماية الاجتماعية، والنفقات التشغيلية، ومستحقات الشركات والموردين.
ومن هنا، فإن احتجاز أموال المقاصة أو اقتطاعها أو تأخيرها لا يعني تعطيل دفعة مالية منفصلة، بل تعطيل نقطة البدء في الدورة المالية والاقتصادية الفلسطينية. يبدأ الأثر في قدرة الحكومة على دفع الرواتب والمستحقات، ثم ينتقل إلى دخل الأسر وإنفاقها، ومبيعات القطاع الخاص، والسيولة المصرفية، وفرص العمل.
وتكمن المشكلة الأساسية في أن هذا المورد الفلسطيني الحيوي لا يخضع للسيطرة الفلسطينية الكاملة، بل يرتبط بقرار إسرائيلي بشأن التحويل أو الاقتطاع أو التجميد. لذلك، فالأزمة ليست مؤقتة، وإنما تعكس خللاً هيكلياً يجعل الاستقرار المالي والاقتصادي الفلسطيني عرضة لقرار خارجي.
وقد يخفف تحويل دفعة محدودة من الضغط لفترة قصيرة، لكنه لا يعالج أصل المشكلة ما دامت التحويلات معرضة للتعليق أو الاستخدام السياسي. فالأسر والأسواق تحتاج إلى تدفق مالي كامل ومنتظم يعيد الثقة، ويخفف الديون، ويمكّن المواطنين والشركات من التخطيط والاستهلاك والاستثمار.
وبذلك، فإن ما أظهره الاستطلاع من انخفاض في الدخل، وتراكم للديون، وصعوبة في تغطية الاحتياجات الأساسية، لا يمثل آثاراً منفصلة، بل نتيجة مباشرة لتعطل مورد مالي فلسطيني أساسي واختلال المعادلة التي تحكم تدفقه.
مجتمع منخفض الدخل يواجه صدمة مالية متواصلة
تكشف نتائج الاستطلاع أن أزمة المقاصة أصابت مجتمعاً يعاني أساساً من هشاشة اقتصادية واضحة. فقد أفاد 57.3% من المشاركين بأن متوسط دخل أسرهم الشهري يقل عن 2,000 شيكل، فيما قال 27.6% إن دخلهم يتراوح بين 2,000 و3,999 شيكل.
وبذلك، تعيش 84.9% من الأسر المشمولة في الاستطلاع بدخل يقل عن 4,000 شيكل شهرياً، فيما ترتفع نسبة الأسر التي يقل دخلها عن 6,000 شيكل إلى 94.4%. وفي المقابل، لا تتجاوز نسبة الأسر التي يبلغ دخلها 8,000 شيكل فأكثر 1.4%.
وتكشف هذه الأرقام عن محدودية قدرة معظم الأسر على الادخار أو تكوين احتياطيات مالية تمكّنها من مواجهة تأخر الرواتب أو انخفاضها لأشهر متتالية. فالأسرة التي تخصص معظم دخلها للغذاء والسكن والعلاج والتعليم والمواصلات لا تمتلك هامشاً واسعاً لامتصاص الصدمات.
وعندما يتأخر الراتب أو يُصرف جزئياً، لا تكتفي الأسرة بالتخلي عن بعض الكماليات، بل تضطر إلى الاختيار بين احتياجات أساسية متنافسة، مثل شراء الغذاء، أو دفع فاتورة الكهرباء، أو تسديد قسط مصرفي، أو تغطية نفقات العلاج والتعليم.
ومن هنا، فإن أثر أزمة المقاصة لا يمكن فصله عن ضعف مستويات الدخل؛ فكلما انخفض دخل الأسرة، تراجعت قدرتها على مواجهة الصدمة، وتحول أي تأخير مالي إلى ضغط مباشر على استقرارها المعيشي والاجتماعي.
أزمة مالية تتحول إلى أزمة معيشية
أظهرت نتائج الاستطلاع أن 51.5% من المشاركين أفادوا بأن الأوضاع المعيشية لأسرهم تأثرت بدرجة كبيرة جداً نتيجة أزمة المقاصة وتأخر صرف الرواتب، فيما قال 18.7% إنها تأثرت بدرجة كبيرة.
وبذلك، بلغت نسبة من تأثروا بدرجة كبيرة أو كبيرة جداً 70.2%. وعند إضافة من قالوا إنهم تأثروا بدرجة متوسطة، ترتفع دائرة التأثر إلى 84.7%، فيما تصل نسبة من شعروا بأي درجة من درجات التأثير إلى 90.7%. وفي المقابل، قال 8.7% فقط إنهم لم يتأثروا.
وتدل هذه النتائج على أن الأزمة أصبحت تجربة معيشية واسعة، وليست حالة تخص الموظف العمومي وحده. فتأخر الرواتب ينتقل إلى أفراد أسرته، وإلى الشركات التي تعتمد على العقود الحكومية، وإلى الموردين والتجار والعاملين في القطاعات التي تعتمد على الإنفاق المحلي.
كما أن ارتفاع نسبة من وصفوا التأثير بأنه «كبير جداً» إلى أكثر من نصف المشاركين يشير إلى أن الأسرة الفلسطينية لا تواجه مجرد صعوبة عابرة في إدارة إنفاقها، بل ضغطاً يمس قدرتها على الوفاء بالاحتياجات الأساسية والمحافظة على الحد الأدنى من الاستقرار.
من انخفاض الدخل إلى تراكم الديون
تكشف النتائج أن الأزمة لا تترك أثراً واحداً، بل تنتج سلسلة من الضغوط الاقتصادية المترابطة. فقد اعتبر 29.8% من المشاركين أن انخفاض الدخل الشهري هو الأثر الأكثر وضوحاً على أسرهم، فيما أشار 26.4% إلى زيادة الديون والالتزامات المالية، وقال 23.1% إنهم أصبحوا يواجهون صعوبة في تغطية الاحتياجات الأساسية.
وبذلك، واجه 79.3% من المشاركين واحداً من ثلاثة آثار رئيسية: انخفاض الدخل، أو تراكم الديون، أو العجز عن توفير الاحتياجات الأساسية.
ويظهر انخفاض الدخل بوصفه نقطة البداية في هذه السلسلة. فعندما يتراجع الدخل أو يصبح غير منتظم، تلجأ الأسرة إلى الاقتراض أو تأجيل الالتزامات، ومع استمرار الأزمة تتحول الديون إلى عبء جديد يستهلك جزءاً من دخلها المستقبلي.
وهذا يعني أن الضرر لا ينتهي بمجرد صرف راتب متأخر؛ فالأسرة التي تراكمت عليها فواتير الكهرباء والمياه، أو الأقساط المصرفية، أو الديون لدى المتاجر والأقارب، ستستخدم جزءاً كبيراً من أي دخل لاحق لتسديد التزامات سابقة، بدلاً من تحسين مستوى معيشتها أو زيادة استهلاكها.
كما أشار 7.8% إلى أنهم اضطروا إلى تأجيل نفقات التعليم أو الصحة. وعلى الرغم من أن هذه النسبة أقل من غيرها، فإن دلالتها الاجتماعية والإنسانية كبيرة؛ فتأجيل العلاج قد يؤدي إلى تفاقم المشكلات الصحية، فيما قد يؤثر خفض الإنفاق التعليمي في مستقبل الأبناء وفرصهم المهنية.
وبذلك، لا تقتصر آثار الأزمة على خسائر مالية آنية، بل قد تنتج عنها خسائر بعيدة المدى في الصحة والتعليم ورأس المال البشري.
الأسر تعيد ترتيب أولوياتها
أظهرت النتائج أن 64.4% من المواطنين قالوا إن تأخر الرواتب أو انخفاضها أدى إلى تغيير نمط إنفاق أسرهم بصورة كبيرة، فيما قال 19.1% إن الإنفاق تغير إلى حد ما. وبذلك، اضطرت 83.5% من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها ونمط استهلاكها.
وتوضح هذه النتيجة أن أثر الأزمة انتقل من مستوى الشعور إلى السلوك الاقتصادي الفعلي. فالأسرة لم تعد تنفق بالطريقة نفسها التي كانت تنفق بها قبل الأزمة، بل أصبحت أكثر حذراً وتركيزاً على الاحتياجات الأكثر إلحاحاً.
وقد يشمل تغيير نمط الإنفاق شراء كميات أقل من الغذاء، أو الانتقال إلى سلع أقل جودة، أو تأجيل العلاج، أو تقليص نفقات التعليم والمواصلات، أو تأخير دفع الفواتير والأقساط، أو زيادة الاعتماد على الشراء بالدين.
وتشير هذه السلوكيات إلى أن الأسرة انتقلت من التخطيط للمستقبل إلى إدارة الاحتياجات اليومية. فبدلاً من التفكير في الادخار، أو تحسين السكن، أو الاستثمار في تعليم الأبناء، تصبح الأولوية لتوفير الغذاء ودفع الفواتير الأساسية ومواجهة الالتزامات الأكثر إلحاحاً.
كما أن عدم معرفة الأسرة بموعد الراتب أو قيمته يدفعها إلى زيادة الحذر في الاستهلاك حتى عندما يتوفر لديها جزء من المال، ما يعكس تراجعاً في الثقة الاقتصادية، وليس انخفاضاً في الدخل فقط.
من الخزينة إلى الأسرة والسوق: تراجع القدرة الشرائية وتعميق الفقر والبطالة
تكشف نتائج الاستطلاع أن أثر أزمة المقاصة ينتقل سريعاً من الخزينة العامة إلى الأسرة والسوق. فعندما تتراجع قدرة الحكومة على دفع الرواتب ومستحقات الشركات بانتظام، تنخفض دخول الموظفين والعاملين، وتتأخر مدفوعات الموردين والمتعاقدين، وتتعرض منشآت القطاع الخاص لضغوط متزايدة في السيولة والتمويل، ما يحد من قدرتها على الوفاء بالتزاماتها أو مواصلة نشاطها بالمستوى المعتاد.
وتبدو الأسرة الحلقة الأكثر تأثراً بهذه السلسلة، إذ تضطر إلى تقليص مشترياتها، وتأجيل الأقساط والنفقات، وإعادة ترتيب أولوياتها وفق الاحتياجات الأكثر إلحاحاً. كما أن الراتب الجزئي أو المتأخر يُستخدم غالباً لتسديد ديون وفواتير والتزامات سابقة بدلاً من أن يتحول إلى إنفاق جديد، وهو ما يضعف القدرة الشرائية ويزيد الحذر وعدم اليقين في الاستهلاك.
وقد أظهرت النتائج أن 80.5% يوافقون بشدة على أن استمرار أزمة المقاصة يؤدي إلى تراجع القدرة الشرائية للمواطن الفلسطيني، فيما وافق 12.1% إلى حد ما، لتبلغ نسبة الاتفاق الإجمالية 92.6%.
وتعكس هذه النتيجة فهماً واسعاً بأن القدرة الشرائية لا تعتمد على القيمة الاسمية للراتب وحدها، بل على انتظامه وتوقيت صرفه وحجم الالتزامات المتراكمة على الأسرة. فقد يصل جزء من الراتب بعد أسابيع من التأخير، لكنه يذهب إلى تسديد احتياجات وفواتير سابقة، بدلاً من خلق طلب جديد في السوق.
ولا يبقى هذا الأثر داخل موازنة الأسرة، بل ينتقل إلى السوق من خلال تراجع الطلب والمبيعات، الأمر الذي يدفع بعض الشركات إلى خفض الإنتاج، أو تأجيل الاستثمار، أو تقليص العمالة.
وقد رأى 75.3% من المشاركين أن أزمة المقاصة ساهمت بدرجة كبيرة في ارتفاع مستويات الفقر والبطالة، فيما قال 15.3% إنها ساهمت بدرجة متوسطة، ورأى 5% أنها ساهمت بدرجة قليلة. وبذلك، اعتبر 95.6% من المواطنين أن الأزمة ساهمت، بدرجات متفاوتة، في تعميق الفقر والبطالة.
وهكذا تدخل الأسرة والسوق في دائرة متبادلة من الضعف؛ فتراجع الدخل يحد من النشاط الاقتصادي، وضعف النشاط يقلص فرص العمل والدخول، بما يعمّق الفقر والبطالة ويزيد الاعتماد على المساعدات والتحويلات العائلية، قبل أن يعود الأثر إلى المالية العامة في صورة انخفاض الضرائب والإيرادات المحلية.
من آلية مالية إلى دورة اقتصادية مقيّدة
كان يُفترض أن تكون أموال المقاصة آلية فنية لتنظيم تحصيل الإيرادات الفلسطينية وتحويلها، لكنها تحولت مع مرور الوقت إلى أداة ضغط سياسي واقتصادي متكرر. فمنذ عام 2019، تصاعدت الاقتطاعات والحجوزات، وبلغت قيمتها المتراكمة نحو 3.54 مليار شيكل بين عامي 2019 و2024. وازدادت الأزمة حدة بعد اندلاع الحرب في قطاع غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2023، عندما بدأت إسرائيل بحجب مبالغ مرتبطة بالقطاع تُقدّر بنحو 75 مليون دولار شهرياً، قبل أن تتطور الإجراءات إلى تعليق شبه كامل لتحويلات المقاصة اعتباراً من أيار/مايو 2025.
وقد أدخل ذلك المالية العامة الفلسطينية في أزمة حادة، واضطرت الحكومة خلال فترات مختلفة إلى صرف الرواتب بنسب جزئية تراوحت بين 50% و70%، إلى جانب تأخير مستحقات الشركات والموردين وزيادة الاعتماد على الاقتراض المصرفي. غير أن أثر هذه الإجراءات لم يتوقف عند الخزينة العامة، بل انتقل إلى دخل الأسر واستهلاكها وديونها، ثم امتد إلى الأسواق والقطاع الخاص والجهاز المصرفي.
ولا يقتصر الاختناق المالي على احتجاز أموال المقاصة، بل يتصل أيضاً بقدرة المصارف الفلسطينية على إدارة السيولة بالشيكل وتسوية المعاملات عبر القنوات المراسلة مع البنوك الإسرائيلية. فعندما تتعطل هذه القنوات أو تضيق هوامش العمل فيها، تتأثر التجارة اليومية، ومدفوعات الاستيراد، وتوافر السلع الأساسية، وقدرة الشركات والأسر على استخدام أموالها وتنفيذ معاملاتها. وبذلك يصبح احتجاز المقاصة، والضغط على العلاقات المصرفية، وتعقيد حركة الشيكل حلقات مترابطة في أزمة واحدة تعيق تدفق الأموال داخل الاقتصاد الفلسطيني.
ويمكن فهم هذه الأزمة في إطار مفهوم الدورة الاقتصادية الفلسطينية المقيّدة. ففي الاقتصاد الطبيعي، تجبي الحكومة الإيرادات وتستخدمها في دفع الرواتب والمستحقات وتمويل الخدمات والمشروعات، ثم تنفق الأسر هذه الدخول في الأسواق، فتزداد المبيعات، ويتوسع الإنتاج والتوظيف، ويعود جزء من النشاط الاقتصادي إلى الخزينة في صورة ضرائب ورسوم جديدة.
أما في الحالة الفلسطينية، فإن نقطة البداية في هذه الدورة تخضع لقرار خارجي. فعندما تُحتجز أموال المقاصة أو تُقتطع، تتراجع قدرة الحكومة على دفع الرواتب وتسديد مستحقات الشركات، وينخفض دخل الأسر وإنفاقها، وتتراجع مبيعات القطاع الخاص، ويضعف الإنتاج والتشغيل، فيما ترتفع البطالة والفقر وتنخفض الإيرادات المحلية.
وعند قراءة نتائج الاستطلاع ضمن هذا الإطار، يتضح أنها لا تصف آثاراً معيشية منفصلة، بل تكشف حلقات متتابعة في دورة انكماشية واحدة تبدأ باحتجاز الإيرادات، ثم تنتقل إلى الرواتب والدخل الأسري، ومنها إلى الإنفاق والأسواق، قبل أن تصل إلى الإنتاج وفرص العمل والمالية العامة.
ولا تنتهي الأزمة عند تأخر الرواتب؛ إذ يدفع ضعف المالية العامة الحكومة إلى زيادة الاقتراض، ما يقلل الموارد المتاحة لتمويل القطاع الخاص، ويحد من الاستثمار والتوسع والتوظيف. ومع تراجع الوظائف والدخول يضعف الطلب مجدداً، وتنخفض الإيرادات العامة، فتُعاد دورة الانكماش من جديد.
وهكذا، تكشف الأزمة أن الاقتصاد الفلسطيني لا يعاني فقط من نقص مؤقت في السيولة، بل من قيود هيكلية تحد من قدرة مؤسساته على التحكم في تدفق موارده وإدارة دورته الاقتصادية بصورة مستقلة وطبيعية.
أبرز الاستنتاجات والخلاصة
تكشف نتائج استطلاع المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي أن أزمة المقاصة لم تعد مجرد أزمة مالية أو أزمة رواتب تخص موظفي القطاع العام، بل تحولت إلى أزمة معيشية واقتصادية واسعة تمتد آثارها إلى الأسر والأسواق والقطاع الخاص والاقتصاد ككل.
فانخفاض مستويات الدخل جعل الأسر أكثر هشاشة وأقل قدرة على تحمّل تأخر الرواتب أو صرفها جزئياً، ودفع كثيراً منها إلى الاعتماد على الاستدانة وتأجيل الالتزامات، بما يعني ترحيل أعباء الأزمة إلى المستقبل بدلاً من معالجتها. كما أن الجزء الأكبر من الراتب المتأخر أو الجزئي يُوجَّه إلى سداد ديون وفواتير والتزامات سابقة، من دون أن يولّد طلباً جديداً كافياً في السوق، الأمر الذي يؤدي إلى تراجع القدرة الشرائية والإنفاق والمبيعات والإنتاج والتوظيف.
وبذلك، أصبحت أزمة المقاصة عاملاً مباشراً في تعميق الانكماش الاقتصادي، وارتفاع الفقر والبطالة، وتراجع الإيرادات العامة، بما يكشف هشاشة اقتصاد يعتمد على موارد فلسطينية لا يملك السيطرة الكاملة على تدفقها.
ومن هنا، فإن الإفراج الكامل والمنتظم عن أموال المقاصة يمثل ضرورة أساسية لحماية الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، إلى جانب تحرك دولي لوقف الاقتطاعات والاحتجاز، وتبني سياسات تعزز الإنتاج المحلي، وتدعم المشروعات الصغيرة، وتوسع الحماية الاجتماعية، بما يعزز قدرة الاقتصاد الفلسطيني على الصمود ويحد من استمرار دورة الانكماش.
حين يصبح الوطن امتيازًا لا انتماءً
حين يكتبون النهاية... تبدأ الحكاية ..
اقتصاد فلسطيني... أم اقتصادان؟
مروان البرغوثي والأسرى الفلسطينيون… الامتحان الحقيقي للقانون الدولي
التأسيس الثالث لفلسطين: في مواجهة هندسة التفكك
نتنياهو يكتب رواية الحرب… ويبدأ معركة الانتخابات
التجارة الإلكترونية في فلسطين: فرصة للبقاء الاقتصادي أم عبء تنظيمي قد يهدد المشاريع الناشئ...






