من أوهام التسوية إلى استحقاقات التحرر ..
مقالات

من أوهام التسوية إلى استحقاقات التحرر ..

في اللحظات المصيرية من تاريخ الشعوب لا يعود ممكنا الهروب إلى الأمام، ولا يصبح التجميل اللغوي قادرا على إخفاء حجم الكارثة أو التخفيف من آثارها..  فهناك لحظات تاريخية تفرض على الجميع الوقوف أمام المرآة ومواجهة الحقيقة كما هي، دون رتوش أو مواربة أو حسابات ضيقة. ولعل الحالة الفلسطينية اليوم تقف أمام واحدة من أخطر هذه اللحظات وأكثرها حساسية منذ عقود طويلة، حيث تتعرض القضية الفلسطينية بأبعادها الوطنية والسياسية والاجتماعية والجغرافية لهجمة غير مسبوقة، فيما يبدو المشهد الفلسطيني الداخلي غارقا في حالة من العجز والتفكك والارتباك وانعدام القدرة على إنتاج استجابة وطنية بحجم التحدي القائم...

فيا أيها العبث المجنون في ظل هذا الواقع المنفلت العقال، كفى تدميرا، وكفى استهتارا، وكفى صراعا على أوهام سلطة الضياع .. لقد بلغ الانحدار الوطني حدا لم يعد معه ممكنا الاستمرار في حالة الإنكار أو الهروب إلى الأمام أو الاحتماء خلف الشعارات المستهلكة والخطابات المكررة. فمن جديد تفرض المعادلة ذاتها نفسها علينا بصورة قسرية وحاسمة، معادلة تقول ببساطة ووضوح.. نكون أو لا نكون... ومن جديد تقف القضية الفلسطينية أمام واحدة من أخطر مراحلها التاريخية، حيث تتعرض الأرض للنهب، والهوية للاستهداف، والإنسان الفلسطيني لمحاولات الكسر والإخضاع، فيما تتسع دوائر العجز والارتباك داخل البنية السياسية الفلسطينية على نحو غير مسبوق...

إن ما يعيشه الفلسطيني اليوم لم يعد مجرد أزمة سياسية عابرة، ولا حالة انقسام مؤقتة يمكن تجاوزها ببعض اللقاءات والبيانات والتفاهمات الشكلية... نحن أمام أزمة وطنية شاملة تطال المشروع الوطني الفلسطيني بأسره، وتمتد إلى مختلف مستويات الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية. أزمة تهدد جوهر الحركة الوطنية الفلسطينية ووظيفتها التاريخية ودورها الكفاحي، وتهدد في الوقت ذاته قدرة المجتمع الفلسطيني على الصمود والاستمرار في مواجهة المشروع الاستعماري الذي يستهدف وجوده وهويته ومستقبله...

ففي الوقت الذي تتعرض فيه غزة لواحدة من أكثر عمليات التدمير والتجريف والإبادة وحشية في التاريخ الحديث، وفي الوقت الذي تتعرض فيه الضفة الغربية لعمليات متواصلة من الاجتياح والاستيطان والتهجير ومصادرة الأراضي وتفكيك الجغرافيا الفلسطينية، وفي الوقت الذي تتعرض فيه القدس لحرب مفتوحة تستهدف هويتها ووجودها العربي الفلسطيني، تبدو الساحة الفلسطينية وكأنها تعيش حالة من الشلل العام والعجز الجماعي عن إنتاج استجابة وطنية بحجم التحديات القائمة...

والأخطر من ذلك أن هذا العجز لم يعد مقتصرا على القيادة السياسية أو المؤسسات الرسمية أو الفصائل والقوى الوطنية والإسلامية، بل امتد ليطال الحالة الجماهيرية ذاتها. ليس لأن الجماهير فقدت حسها الوطني أو تخلت عن قضيتها، بل لأنها تعرضت خلال سنوات طويلة لعملية استنزاف منهجية ومتواصلة. استنزاف سياسي واقتصادي واجتماعي ونفسي، جعل قطاعات واسعة من الشعب الفلسطيني غارقة في هموم البقاء اليومي والبحث عن لقمة العيش والأمان الاجتماعي في ظل واقع خانق يكاد يسحق الإنسان الفلسطيني أينما وجد...

لقد بات المواطن الفلسطيني اليوم محاصرا بسلسلة من الأزمات المتراكمة. فهو يواجه الاحتلال ببطشه وقمعه واستيطانه وحواجزه واقتحاماته اليومية، ويواجه في الوقت نفسه أزمات الفقر والبطالة وتراجع الخدمات وانعدام الأفق الاقتصادي، ويواجه كذلك حالة الانقسام السياسي التي مزقت وحدة المجتمع وأضعفت مناعته الوطنية. ولذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد لماذا تصمت الجماهير، وإنما لماذا وصلت الجماهير أصلا إلى هذه الحالة من الإنهاك واليأس وفقدان الثقة ..؟

إن الجماهير الفلسطينية التي صنعت الانتفاضات والثورات وقدمت مئات الآلاف من الشهداء والجرحى والأسرى ليست عاجزة بطبيعتها، وليست غير معنية بما يجري حولها. لكن هذه الجماهير تعرضت خلال العقود الأخيرة إلى سلسلة طويلة من الخيبات الوطنية والسياسية التي راكمت الإحباط فوق الإحباط، وأضعفت قدرتها على المبادرة والفعل والتأثير. فكم من وعود رفعت باسمها ولم تتحقق؟ وكم من مشاريع أعلنت وانتهت إلى الفشل؟ وكم من شعارات رفعت ثم تحولت إلى مجرد أدوات للاستهلاك السياسي؟

ومن هنا فإن المسؤولية الأساسية لا تقع على الجماهير بقدر ما تقع على عاتق القوى السياسية والحركة الوطنية الفلسطينية بمختلف مكوناتها. فهذه القوى التي يفترض بها أن تكون أداة تعبير عن الإرادة الشعبية وحامية للمشروع الوطني تحولت في كثير من الأحيان إلى جزء من الأزمة ذاتها. وأصبحت عاجزة عن قراءة التحولات الكبرى التي تشهدها القضية الفلسطينية والمنطقة والعالم...

لقد أخفقت قطاعات واسعة من النخب السياسية الفلسطينية في إدراك حقيقة أن المرحلة قد تغيرت بصورة جذرية. فما كان قائما قبل سنوات لم يعد قائما اليوم. والوقائع التي فرضها الاحتلال على الأرض تجاوزت بكثير حسابات القوى السياسية وبرامجها التقليدية. ومع ذلك ما زال جزء كبير من هذه النخب يتصرف وكأن الزمن متوقف، وكأن المعادلات القديمة ما زالت صالحة، وكأن الشعب الفلسطيني يملك ترف إضاعة المزيد من الوقت في المناكفات والصراعات الداخلية...

لقد أثبتت الوقائع بما لا يدع مجالا للشك أن أوهام التسوية السياسية التي جرى تسويقها لعقود طويلة قد وصلت إلى نهايتها العملية. ولم يكن سقوطها نتيجة موقف أيديولوجي مسبق، بل نتيجة حقائق ملموسة على الأرض. فقد سقطت هذه الأوهام تحت ركام غزة، وسقطت تحت أقدام المستوطنين الذين يلتهمون ما تبقى من أرض الضفة الغربية، وسقطت أمام مشاهد التهجير والاقتحامات اليومية، وسقطت أمام واقع القدس الذي يتعرض لأخطر عملية تغيير ديمغرافي وثقافي في تاريخه الحديث.

لقد أثبتت التجربة أن الاحتلال لم ينظر يوما إلى التسوية باعتبارها طريقا لإنهاء الاحتلال أو الاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية، وإنما باعتبارها وسيلة لإدارة الصراع وإعادة إنتاج السيطرة الاستعمارية بأشكال جديدة. وبينما كان الفلسطيني ينتظر الدولة والسيادة والاستقلال، كان الاحتلال يعيد تشكيل الجغرافيا الفلسطينية ويعمق وقائع السيطرة والهيمنة على الأرض والإنسان.

وهنا تحديدا تعود قوانين مرحلة التحرر الوطني لتفرض نفسها باعتبارها القوانين الوحيدة القادرة على تفسير الواقع وتحديد الأولويات. فالشعوب الواقعة تحت الاحتلال لا تستطيع أن تبني استراتيجياتها على أساس منطق السلطة أو المنافسة الحزبية أو الحسابات الفئوية الضيقة. وإنما تبنيها على أساس التناقض الرئيسي القائم بين الاحتلال والتحرر... هذه هي المعادلة الجوهرية التي يجب أن يعاد بناء الحركة الوطنية الفلسطينية على أساسها. وهي أيضا المعادلة التي تفرض عملية فرز تاريخية شاملة داخل المجتمع الفلسطيني وفي إطار قواه السياسية المختلفة. فرز بين من يجعل التحرر الوطني أولوية مطلقة وبين من يجعل الحفاظ على امتيازاته ومكاسبه الخاصة أولوية. فرز بين من ينحاز إلى الجماهير وآلامها وتطلعاتها وبين من ينحاز إلى حساباته التنظيمية والفئوية. فرز بين من يرى في الوحدة الوطنية شرطا للانتصار وبين من يتعامل معها باعتبارها مجرد شعار للاستهلاك الإعلامي ..

إن قوانين التحرر الوطني لا تعترف بالجمود ولا تمنح أحدا حصانة أبدية. فالتاريخ لا يحمي القيادات لأنها قيادات، ولا يحمي الفصائل لأنها فصائل، ولا يحمي المؤسسات لأنها مؤسسات. وإنما يمنح الشرعية فقط لمن ينجح في التعبير عن متطلبات المرحلة وعن مصالح الشعب وأهدافه الوطنية... ومن هنا فإن الأزمة الراهنة هي في جوهرها أزمة قيادة وأزمة رؤية وأزمة وظيفة وطنية. فالكثير من القوى الفلسطينية ما زالت أسيرة حسابات الماضي وغير قادرة على إنتاج مشروع وطني جامع يستجيب للتحديات الراهنة. كما أن حالة الانقسام المستمرة لم تعد مجرد خلاف سياسي، بل أصبحت خطرا وجوديا يهدد مجمل المشروع الوطني الفلسطيني ويضعف قدرة المجتمع على الصمود والمواجهة...

إن غزة التي تدفع أثمانا أسطورية من دماء أبنائها وتضحياتهم لا تحتاج إلى بيانات تضامن بقدر ما تحتاج إلى مشروع وطني يوحد الطاقات الفلسطينية. والضفة الغربية التي تتعرض يوميا لعمليات التفكيك والاستيطان لا تحتاج إلى خطابات موسمية بقدر ما تحتاج إلى استراتيجية مقاومة وطنية شاملة. والقدس التي تواجه مخططات الاقتلاع والتهويد لا تحتاج إلى مزيد من العواطف بقدر ما تحتاج إلى فعل سياسي وكفاحي منظم يحمي وجودها وهويتها...

وبالتالي فإن إعادة الاعتبار للعمل النضالي الكفاحي لا يعني استنساخ التجارب السابقة أو إعادة إنتاج الشعارات التقليدية، وإنما يعني إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني على أسس جديدة تستند إلى الوحدة الوطنية والمشاركة الشعبية والقدرة على توظيف مختلف أشكال النضال السياسي والشعبي والجماهيري في إطار استراتيجية تحرر وطني واضحة المعالم...  كما أن إعادة الاعتبار للعمل الكفاحي تعني إعادة الاعتبار للإنسان الفلسطيني نفسه. للكرامة الفلسطينية التي تعرضت للاستباحة. للحقوق الوطنية التي تعرضت للتهميش. للصوت الشعبي الذي جرى تجاهله طويلا. فالقضية الفلسطينية لم تكن يوما قضية سلطة أو مناصب أو امتيازات، بل كانت وما زالت قضية شعب يناضل من أجل الحرية والسيادة والاستقلال وحقه الطبيعي في تقرير مصيره فوق أرضه.

إن المطلوب اليوم ليس مجرد اتفاق سياسي جديد بين القوى والفصائل، بل إعادة تأسيس شاملة للحالة الوطنية الفلسطينية على قاعدة المشروع التحرري الجامع. مشروع يعيد تعريف الأولويات الوطنية، ويعيد الاعتبار للوحدة الوطنية، ويعيد الثقة بين الشعب ومؤسساته، ويعيد الاعتبار للنضال الفلسطيني باعتباره أداة للتحرر لا وسيلة لإدارة الأزمات.

لقد تقلصت الفرص إلى حدها الأدنى، وأصبحت الطبقة السياسية الفلسطينية بأسرها أمام اختبار تاريخي قد يكون الأخير. فإما أن تنجح في استيعاب التحولات الجارية وإنجاز حالة وطنية توافقية تستجيب لمتطلبات المرحلة، وإما أن تدخل في مواجهة مفتوحة مع حركة التاريخ نفسها. ذلك أن الشعوب التي تناضل من أجل حريتها تمتلك دائما القدرة على تجديد أدواتها وإعادة إنتاج قياداتها وصناعة بدائلها الوطنية عندما تعجز النخب القائمة عن أداء دورها... ولهذا فإن عملية الفرز التاريخية لم تعد احتمالا مستقبليا، بل أصبحت واقعا قائما يتشكل كل يوم على وقع الدم الفلسطيني النازف في غزة، وعلى وقع الاقتحامات والاستيطان في الضفة الغربية، وعلى وقع المعاناة الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها الفلسطينيون في مختلف أماكن وجودهم. وهي عملية ستستمر حتى تعيد ترتيب المشهد الوطني على قاعدة واضحة لا تحتمل التأويل .. قاعدة الاحتلال والتحرر.

وفي نهاية المطاف تبقى الحقيقة الفلسطينية الكبرى أكثر وضوحا من أي وقت مضى. فكل ما هو خارج معادلة التحرر الوطني مصيره التآكل والسقوط مهما امتلك من أدوات القوة والنفوذ. أما الشعب الفلسطيني، الذي واجه النكبة والتهجير والاحتلال والحروب والحصار، فسيبقى قادرا على إعادة إنتاج ذاته الوطنية، واستعادة كرامته، وتجديد أدوات نضاله، وفرض حضوره على معادلات الواقع والتاريخ. ولذلك فإن الرسالة التي ينبغي أن تسمعها جميع القوى والزعامات واضحة وصريحة.. إن لم ترتقوا إلى مستوى تضحيات هذا الشعب ومتطلبات هذه المرحلة، فإن الشعب نفسه سيعيد إنتاج معادلته الوطنية، وسيصنع أدواته وقياداته من جديد، كما فعل دائما في كل منعطف تاريخي من مسيرته الطويلة نحو الحرية والاستقلال.
 

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر وكالة صدى نيوز.