التأسيس الثالث لفلسطين: في مواجهة هندسة التفكك
مقالات

التأسيس الثالث لفلسطين: في مواجهة هندسة التفكك

تجاوزت حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة مجرد كونها حربًا تستهدف الأرض والإنسان، أو مجرد محاولة عسكرية لفرض وقائع جديدة عبر القتل والتدمير والتجويع والتهجير، إلى مستوى أكثر عمقًا وخطورة، الأمر الذي يكشف عن تَحَوُّل في طبيعة الاستراتيجية الصهيونية ذاتها، من مفهوم استراتيجية إدارة الصراع الذي حكم السياسة الإسرائيلية لعقود، إلى محاولة هندسة التفكك الفلسطيني وإعادة تشكيل الحالة الفلسطينية، بما يخدم أهدافًا تتجاوز اللحظة العسكرية، نحو إعادة صياغة شروط الوجود الفلسطيني السياسي والاجتماعي.

ولا يمكن فهم هذا التحول بمعزل عن التناقضات المتراكمة التي تواجه المشروع الصهيوني؛ إذ أن استمرار التفوق العسكري لم ينتج حسمًا تاريخيًا، كما أن القدرة على السيطرة لم تتحول إلى قدرة على إنهاء حضور الشعب الفلسطيني أو تجاوز قضيته. فبعد عقود من الاحتلال والاستيطان، ورغم ما امتلكته إسرائيل من قوة عسكرية ودعم سياسي واسع، خاصة من واشنطن ومن يدور في فلكها، بقي الفلسطيني حاضرًا كهوية وطنية وفاعلًا سياسيًا وتاريخيًا، كما بقيت القضية الفلسطينية حاضرة في الوعي العالمي.

ومن هنا، فإن الانتقال من محاولة الحسم إلى محاولة التفكك لضمان الحسم لا يعكس فائضًا في القوة بقدر ما يكشف عن مأزق استراتيجي للمشروع الصهيوني. فعندما تعجز القوة عن إنتاج استسلام سياسي، يصبح الرهان على إنهاك حامل القضية ذاته؛ أي المجتمع الفلسطيني عبر إضعاف شروط تماسكه، وتقويض مؤسساته، وتشويه وعيه الجمعي، وتعميق تناقضاته الداخلية وتحويلها إلى بديل عن المواجهة مع الاحتلال ومنظومة السيطرة الاستعمارية. وهنا يجب التوقف أمام اتساع ظواهر تضخيم واشعال التباينات الثانوية وتحولها إلى حالة احتراب إعلامي تملأ الفضاء العام، لا سيما في ظل تراجع المشترك وغياب قيادة تمتلك رؤية جامعة وثقة متبادلة مع شعبها ومع المجتمع، لتُبقي البوصلة دومًا في مواجهة استراتيجيات الإبادة والتهجير.

هندسة التفكك: استراتيجية اعتراضية في مواجهة مأزق المشروع الصهيوني

إن مفهوم “هندسة التفكك” لا يعني مجرد الاستفادة من واقع الانقسام الفلسطيني فقط، بل يشير إلى محاولة تحويل هذا الانقسام إلى مسار دائم يعيد تشكيل الواقع الفلسطيني من داخله. فالمطلوب ليس فقط منع الوحدة السياسية، وإنما إضعاف القدرة على إنتاج وحدة وطنية ذات معنى، بحيث يصبح الفلسطينيون منشغلين بإدارة أزماتهم الداخلية أكثر من قدرتهم على مواجهة المشروع الذي وَلَّد هذه الأزمات واستثمر فيها.

تأتي هذه الاستراتيجية في سياق مأزق أوسع يواجه المشروع الصهيوني نفسه. فقد ذهب عدد من الباحثين، ومن بينهم المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه، إلى أن المشروع الصهيوني يواجه أزمة بنيوية قد تهدد استمراره بصيغته الحالية. ولا يعني ذلك بالضرورة انهيارًا وشيكًا، وإنما يشير إلى أن التناقض بين منطق السيطرة الدائمة وبين استحالة إنهاء الوجود الفلسطيني يضع المشروع أمام أسئلة تاريخية عميقة حول مستقبله.

ومن هذا المنظور، يمكن فهم سياسات التهجير والتفتيت والضم والاستيطان ومنع إعادة الإعمار، ليس فقط كأدوات للسيطرة على الحاضر، بل كمحاولات لتشكيل المستقبل، عبر إضعاف الطرف الذي يمثل التحدي التاريخي الأكثر جوهرية للمشروع الصهيوني، وهو استمرار وجود شعب فلسطيني يمتلك هوية وطنية وذاكرة جماعية وحقًا سياسيًا غير قابل للمحو

من انقسام الحقل السياسي إلى تفكيك المجال الوطني

لقد أصبح الانقسام الفلسطيني أكثر من مجرد واقع تستفيد منه إسرائيل؛ فقد تحول إلى عنصر وظيفي في استراتيجية أوسع. فهي تدرك أن الحد الأدنى من وحدة الفلسطينيين، سياسيًا ومؤسساتيًا ومجتمعيًا، قادر على إعادة تقديم القضية الفلسطينية بوصفها قضية شعب يناضل من أجل الحرية وتقرير المصير، وليس باعتبارها نزاعًا داخليًا بين قوى فلسطينية متنافسة.

لكن الخطر الأعمق لا يكمن في الانقسام السياسي وحده، بل في محاولة نقله إلى مستوى تفكيك النسيج الوطني والاجتماعي. فالمشروع الصهيوني لا يستهدف المؤسسات والقيادات فقط، بل يستهدف المجال الوطني الجامع نفسه؛ عبر التهجير، وتقطيع الجغرافيا، ومنع إعادة الإعمار، وتسريع الاستيطان والضم، وإضعاف الروابط التي تجعل الفلسطينيين شعبًا واحدًا رغم تعدد أماكن وجودهم.

ومن هنا يمكن فهم محاولات تغذية النعرات الجهوية والعائلية والفئوية، وتعميق فقدان الثقة بين مكونات المجتمع، ودفع الحالة الفلسطينية نحو ما هو أخطر من الانقسام: نحو التآكل الداخلي. فحين تتقدم الهويات الجزئية على الهوية الوطنية، وحين يتحول الألم المشترك إلى مجال إضافي للتنافس والانقسام، يكون الاحتلال قد حقق أحد أخطر أهدافه؛ ليس فقط السيطرة على الأرض، بل إضعاف القدرة على إنتاج معنى مشترك للمستقبل.

فالمجتمعات لا تنهزم فقط عندما تُهزم عسكريًا، بل عندما تفقد شعورها الجماعي بوحدة مصيرها، وبقدرتها على تجاوز خلافاتها، وبحقها في إنتاج مشروع جامع. ولهذا فإن التفكك ليس مجرد حالة سياسية عابرة، بل عملية تاريخية يمكن أن تعيد تشكيل الوعي والعلاقات الاجتماعية إذا لم تتم مواجهتها.

المعركة على الفكرة الوطنية: التأسيس الثالث لفلسطين

إن مواجهة هذه الاستراتيجية لا تبدأ فقط بإنهاء الانقسام، ولا الاكتفاء بالدعوة إلى الوحدة الوطنية كشعار أخلاقي مجرد، بل تبدأ بإعادة بناء الأساس الذي يمنح الوحدة معناها، وهي الفكرة الوطنية الفلسطينية. فالمشروع الوطني، مهما بلغت أهميته، ليس أصل الحكاية؛ بل هو التعبير السياسي والمؤسساتي عن فكرة أعمق سبقت نشوءه ومنحته شرعيته؛ فكرة الشعب الفلسطيني الواحد، صاحب الحق في تقرير مصيره، والقادر على تجاوز محاولات اقتلاعه وتجزئته.

لقد كانت الفكرة الوطنية الفلسطينية هي التي منعت النكبة من تحويل الفلسطينيين إلى مجرد مجموعات من اللاجئين المنفصلين عن وطنهم وقضيتهم، وهذا ما يمكن اعتباره بالتأسيس الأول لهذه الفكرة. أما التأسيس الثاني فقد تمثل بنشأة الحركة الوطنية المعاصرة ومؤسساتها وأطرها التمثيلية التي أعادت للشعب الفلسطيني حضوره كفاعل تاريخي، والتي يبدو أنها تستنفد دورها.

أما اليوم، فإن التحولات العميقة التي فرضتها حرب الإبادة تفرض تأسيسًا ثالثًا للفكرة الوطنية الفلسطينية؛ تأسيسًا لا يلغي التجربة السابقة، بل يستخلص دروسها ويعيد بناء المجال الوطني على أسس أكثر رسوخًا؛ الشراكة بدل الإقصاء، والديمقراطية بدل الاحتكار، والمواطنة بدل العصبيات، والشرعية الشعبية بدل شرعية الأمر الواقع.

فالتحدي الحقيقي ليس فقط إعادة بناء المشروع الوطني، بل حماية الفكرة التي تمنحه الحياة والمعنى. فالمشاريع السياسية يمكن أن تتعثر أو يعاد تشكيلها، أما إذا تآكلت الفكرة الوطنية الجامعة، فإن القدرة على إعادة البناء تصبح أكثر صعوبة.

لقد انتقلت الاستراتيجية الصهيونية من إدارة الصراع إلى هندسة التفكك الفلسطيني، لأن إنهاء القضية بالقوة لم يعد ممكنًا، ولأن استمرار وجود شعب فلسطيني موحد في هويته ووعيه وحقوقه يمثل التحدي التاريخي الأعمق للمشروع القائم على الإقصاء والهيمنة.

ولذلك فإن أولويات المرحلة لا تقتصر على مقاومة الاحتلال أو إعادة بناء المشروع الوطني، بل تبدأ بإعادة تأسيس الفكرة الوطنية الفلسطينية نفسها؛ الفكرة التي تجعل من فلسطين قضية شعب، لا مجرد أرض متنازع عليها، ومن الوحدة ضرورة تاريخية لا خيارًا سياسيًا عابرًا. فالمعركة اليوم ليست فقط على غزة أو الضفة، ولا فقط على شكل النظام السياسي القادم، بل على معنى فلسطين نفسها؛ هل تبقى قضية شعب واحد يحمل مشروعًا تاريخيًا للتحرر، أم تتحول إلى مجموعة قضايا مجزأة تديرها الوقائع التي يفرضها الاحتلال؟

وإذا كان الاحتلال يسعى إلى هندسة التفكك، فإن الرد التاريخي يجب أن يكون إعادة بناء الوحدة على أساس جديد؛ شرعية شعبية، وشراكة وطنية، ومواطنة جامعة، وقيادة مؤتمنة على الألم والتضحيات الكبرى الفلسطينية، وكذلك على المستقبل والمصير الوطنيين.

فالفكرة الوطنية هي التي أنجبت المشروع الوطني، وهي وحدها القادرة على تجديده وحمايته من التآكل، وتحويل الصمود الفلسطيني من مجرد بقاء إلى قوة تاريخية قادرة على صناعة الحرية والعدالة والاستقلال الوطني الناجز.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر وكالة صدى نيوز.