فلسطين بين التحول العالمي وتراجع الدور العربي
تشهد القضية الفلسطينية اليوم واحدة من أكثر مراحلها تعقيداً منذ عقود ليس فقط بسبب تطورات الميدان بل بسبب التحولات العميقة في البيئة السياسية التي تحيط بها فالقضية التي كانت يوما عنوانا للإجماع العربي تتحول تدريجيا إلى ملف يتقاطع فيه الزخم الشعبي العالمي المتصاعد مع تراجع واضح في القدرة العربية الرسمية على التأثير الفعلي في مسارها.
في الولايات المتحدة وأوروبا لم تعد فلسطين مجرد ملف خارجي يُناقش في سياق السياسة الدولية بل أصبحت قضية حاضرة بقوة في النقاشات العامة داخل الجامعات ووسائل الإعلام وحتى السجالات السياسية الداخلية وقد شهدت السنوات الأخيرة موجات احتجاج واسعة في عدد من المدن الغربية الكبرى عبّرت عن تحول ملحوظ في وعي جيل جديد بات ينظر إلى القضية من زاوية حقوق الإنسان والقانون الدولي أكثر من كونه امتدادا تقليديا لصراعات الشرق الأوسط.
هذا التحول لم يبقَ محصورا في الشارع أو الفضاء الأكاديمي بل بدأ ينعكس بشكل تدريجي في الحياة السياسية ففي مدن أمريكية كبرى مثل نيويورك أظهرت بعض الدوائر الانتخابية ذات الطابع التقدمي حساسية متزايدة تجاه المواقف المرتبطة بإسرائيل مع تسجيل تراجع نسبي في دعم بعض المرشحين الذين تبنوا مواقف غير مشروطة لصالح السياسات الإسرائيلية وإن كان هذا الاتجاه لا يزال محدودا وغير كاف لإعادة تشكيل التوازن السياسي العام.
وفي السياق الأمريكي الأوسع يمكن ملاحظة أن العلاقة مع إسرائيل لم تعد تحظى بالإجماع السياسي الصلب الذي ميز عقودا سابقة فقد أصبحت جزءا من نقاش داخلي متصاعد حول حدود الدور الأمريكي في الخارج وتكاليف الانخراط في الصراعات الدولية. ضمن هذا السياق برزت تصريحات من نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس انتقد فيها بعض السياسات الإسرائيلية في مؤشر على اتساع مساحة النقاش داخل النخبة السياسية وقد انعكس ذلك بحسب عدد من استطلاعات الرأي في ارتفاع شعبيته و ارتفاع نسبي في تقبل هذه الطروحات داخل شرائح من الرأي العام خصوصا بين الفئات التي تميل إلى تقليص التدخلات الخارجية دون أن يعني ذلك تحولا جذريا في السياسة الأمريكية حتى الآن.
في المقابل تبدو الصورة في العالم العربي أكثر تعقيدا فالقضية الفلسطينية التي شكلت لعقود طويلة محورا مركزيا في الخطاب السياسي العربي سواء على مستوى الأنظمة أو الشعوب تواجه اليوم واقعا مختلفا لقد كانت مصر الناصرية والجزائر بعد الاستقلال والعراق وليبيا إلى جانب أدوار خليجية متعددة أطرافاً فاعلة في دعم القضية الفلسطينية سياسيا وماليا كما كانت منظمة التحرير الفلسطينية تحظى بغطاء عربي واسع جعل من الملف الفلسطيني قضية جامعة تتجاوز الخلافات البينية.
لكن العقود الأخيرة حملت تحولات عميقة في أولويات النظام الإقليمي العربي فالحروب الممتدة وصعود التهديدات الداخلية وتوسع و تغول التدخلات الامريكية في عهد ترامب أعادت تشكيل مفهوم الأمن القومي في المنطقة ونتيجة لذلك تراجعت مركزية القضية الفلسطينية في الحسابات الاستراتيجية العربية لصالح أولويات تتعلق بالاستقرار الداخلي والعلاقات الإقليمية المباشرة والتوازنات الاقتصادية.
هذا التحول انعكس أيضا على مستوى الفعل السياسي العربي الجماعي حيث أصبحت القدرة على التأثير في مسار التسوية أقل تجانسا وأضعف تأثيرا مما كانت عليه في مراحل سابقة في ظل تباين واضح في السياسات والمقاربات بين الدول العربية تجاه الملف الفلسطيني.
وفي السياق ذاته تواجه السلطة الوطنية الفلسطينية تحديات متزايدة أبرزها الضغوط المالية وتراجع الدعم السياسي المنسق عربيا في وقت لم تعد فيه المبادرة العربية للسلام—التي أقرت في قمة بيروت عام 2002 وربطت التطبيع الكامل بإنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية—تحظى بالزخم السياسي نفسه الذي رافق إطلاقها رغم استمرارها كمرجعية رسمية.
في المقابل برزت في السنوات الأخيرة مقاربات أمريكية اسرائيلية وإقليمية جديدة تتعامل مع الملف الفلسطيني من زاوية أمنية وإدارية واقتصادية أكثر من كونها مسارا سياسيا تقليديا نحو الحل النهائي هذه المقاربات تقلل من مركزية الدور الفلسطيني المؤسسي وتطرح ترتيبات انتقالية لا تضع إقامة الدولة الفلسطينية كهدف فوري وملزم ضمن أفق زمني واضح ما يعكس تحولا تدريجيا في طبيعة مقاربة الصراع.
وفي موازاة ذلك لم يقتصر التحول على السياسة بل امتد إلى البنية الاجتماعية والإعلامية داخل العالم العربي حيث أصبح الخطاب حول القضية الفلسطينية أكثر تباينا وظهرت قراءات مختلفة تتراوح بين الاستمرار في اعتبارها قضية مركزية وبين التعامل معها كملف سياسي ضمن أولويات أكثر اتساعا .
إن الصورة الكلية تشير إلى مفارقة لافتة: فبينما تتوسع القضية الفلسطينية في الفضاء الأخلاقي والحقوقي العالمي خصوصا في الغرب تتراجع قدرتها على التعبئة السياسية العربية بالزخم التاريخي نفسه وبين هذين المسارين تتحول القضية من ملف عربي مركزي يُدار بإجماع سياسي واسع إلى قضية ذات حضور عالمي متزايد لكن ضمن بيئة عربية أقل قدرة على تحديد مسارها أو التأثير في مخرجاتها.
في المحصلة لا يتعلق الأمر بتراجع القضية الفلسطينية بقدر ما يتعلق بإعادة توزيع مراكز التأثير حولها فالقضية لم تعد تُدار ضمن معادلة واحدة بل ضمن بيئة دولية وإقليمية متعددة الطبقات تتداخل فيها الشرعية الأخلاقية مع الحسابات السياسية ويتقاطع فيها الشارع مع الدولة والرأي العام مع مراكز القرار.
وهنا يكمن جوهر التحول: فلسطين اليوم ليست في أزمة حضور بل في تحول موقعها داخل النظام العالمي نفسه—من قضية تُدار في الإقليم إلى قضية يُعاد تعريفها في العالم.
حول الاتهامات بالخيانة في الساحة الفلسطينية
الاتحاد من أجل التغيير
الانتخابات التشريعية "المرتقبة" : هل ستكون قارب النجاة للوضع الفلسطيني المُتهالك ؟!
بين الشائعة والحقيقة... من يكسب ثقة الجمهور؟
الفصل بين المسارات فلسطينياً: قطاع غزة مقابل الضفة
القدس في مواجهة صراع المفاهيم
الفلسطينيون والانتخابات القادمة: عندما يصبح الاقتصاد بوابة السياسة




