مساهمات البنوك العاملة في فلسطين بالمسؤولية المجتمعية تتجاوز 23 مليون دولار خلال 3 سنوات
اقتصاد محلي

مساهمات البنوك العاملة في فلسطين بالمسؤولية المجتمعية تتجاوز 23 مليون دولار خلال 3 سنوات

متابعة صدى نيوز- اطلعت صدى نيوز إلى البيانات الإحصائية الأخيرة الصادرة عن جمعية البنوك في فلسطين والتي أظهرت حجم الدور التنموي والإغاثي الذي يضطلع به القطاع المصرفي، حيث بلغ إجمالي مساهمات البنوك في مجالات المسؤولية المجتمعية نحو 23.449 مليون دولار خلال الفترة الممتدة بين عامي 2023 و2025. ويعكس هذا الرقم التزاماً مالياً مستداماً بمتوسط إنفاق سنوي يقارب 7.816 مليون دولار. وعند تتبع المنحنى الزمني لهذه المنفقات، يتبين أن عام 2023 سجل الدعم الأعلى بقيمة بلغت نحو 8.55 مليون دولار، تلاه عام 2024 بإنفاق قُدّر بنحو 7.55 مليون دولار، ليرسو حجم الدعم في عام 2025 عند مستوى 7.34 مليون دولار.

وفيما يتعلق بالخارطة التوزيعية لهذا الدعم على القطاعات المختلفة، فقد حظي قطاعا الإغاثة والصحة بالنصيب الأكبر بنسبة إجمالية وصلت إلى 57% من الدعم الكلي. وفق متابعة صدى نيوز، وجاء قطاع الإغاثة والمساعدات الإنسانية في المرتبة الأولى مستحوذاً على 30% من إجمالي المساعدات بقيمة تقارب 7.07 مليون دولار، وتبعه قطاع الصحة والبيئة بنسبة 27% وبدعم مالي ناهز 6.43 مليون دولار. وفي مراتب لاحقة، حلّ قطاع التعليم بنسبة 13% وبقيمة 3.15 مليون دولار، بالتساوي مع قطاع إبداع الشباب الذي نال بدوره 13% بحجم دعم بلغ 3.09 مليون دولار، بينما خصصت البنوك 8% لقطاع التنمية المجتمعية بواقع 1.84 مليون دولار، في حين توزعت بقية المخصصات المالية على مجالات حيوية أخرى شملت الثقافة والفنون، والرياضة، والطفولة، ورعاية ذوي الإعاقة، بالإضافة إلى تمكين المرأة.

الاستجابة التنموية للأزمات: دلالات التوقيت والأثر الجغرافي

يرى الباحث والأكاديمي الدكتور إبراهيم ربايعة أن للمسؤولية المجتمعية المصرفية أبعاداً استثنائية في الواقع الفلسطيني المعقد، سواء في قطاع غزة أو الضفة الغربية. ويوضح ربايعة أن هذه الأهمية تضاعفت بوضوح نتيجة التراجع الحاد في الموارد المتاحة للقطاعات الحيوية الأساسية كالصحة والتعليم والحماية الاجتماعية التي تشرف عليها السلطة الوطنية. وبناءً على ذلك، جاءت تدخلات البنوك خلال الفترة الماضية، ولا سيما في أوقات الحرب، بمثابة استجابة مباشرة لهذه التحديات الطارئة، خاصة وأن الاقتصاد الفلسطيني بكافة مكوناته، وبما يشمل الجهاز المصرفي، قد تعرض لصدمة قوية جراء شح الموارد وتوقف العجلة الاقتصادية.

ويشير الدكتور ربايعة إلى أن جهود البنوك تركزت إبان فترة الحرب على محورين رئيسيين: تمثل الأول في دعم التعليم والتعليم العالي من خلال شراكات استراتيجية عقدتها بعض البنوك مع وزارة التربية والتعليم وعدد من الجامعات للمساهمة في تمويل التدريس الجامعي، وتحديداً لطلبة قطاع غزة. أما المحور الثاني فتمحور حول العمل الإغاثي وتوفير شبكات الحماية الاجتماعية عبر تقديم دعم ملموس لمؤسسات المجتمع المدني لتمكينها من التعامل مع الصدمات الإنسانية الناتجة عن حرب الإبادة والمستجدات الاجتماعية الصعبة.

وامتداداً لهذا التحليل، يؤكد ربايعة على القيمة الإغاثية والتنموية العالية لهذه المساهمات، مستدركاً بالإشارة إلى الحاجة الملحة لمأسسة هذه العلاقة بين القطاع المصرفي ومؤسسات المجتمع عبر قنوات رسمية دائمة كصندوق إقراض الطلبة، إلى جانب تنظيم آليات توزيع المساعدات الإغاثية لضمان عدم تداخلها مع جهود الأطراف الدولية والمحلية الأخرى، وبما يكفل تحقيق العدالة والفاعلية في الانتشار ومنع التكرار. كما يشدد على أهمية تأطير سياسات الحماية الاجتماعية عبر لوائح تشاركية تجمع القطاعين العام والخاص لتوجيه الدعم نحو الأولويات الوطنية، داعياً إلى رفع مساهمة البنوك وتحويلها إلى التزام دائم يرتبط بالاحتياجات الفعلية مع قياس الأثر لإعادة تصميم البرامج بكفاءة، وتركيز الاهتمام بالفئات الأقل حظاً في المناطق المهمشة جغرافياً أو تلك الأكثر تضرراً من الحرب، إلى جانب قضايا ذوي الإعاقة والنساء والأطفال.

مأسسة المسؤولية المجتمعية كشبكة أمان وطنية

من جانبه، يقدم الدكتور أمين أبو عيشة، المختص في السياسات الاقتصادية، تعريفاً موسعاً للمسؤولية المجتمعية باعتبارها منظومة متكاملة وشبكة أمان اجتماعي تطبقها البنوك عبر أبعاد متعددة تشمل الجوانب الاقتصادية، الأخلاقية، القانونية، والخيرية. ويتجلى ذلك من خلال الشمول المالي والمفاهيمي لقطاعات رئيسية كالصحة والتعليم والإغاثة والإبداع الشبابي والفنون، لتتقاطع بشكل مباشر مع الاحتياجات الجوهرية للمجتمع الفلسطيني في ظل الأزمة المالية الخانقة التي يعاني منها القطاع العام وعجزه عن تقديم الرعاية الكافية لهذه المجالات. ويؤكد أبو عيشة أن هذه التدخلات تسهم بشكل فعال في درء الأضرار المجتمعية وتقديم صورة إيجابية عن المؤسسات المصرفية، فضلاً عن دورها في علاج المشكلات البنيوية عبر استثمار الـ 23 مليون دولار في مبادرات مستدامة تمس جوانب غير ملموسة لكنها بالغة الأهمية كالتدريب والتطوير والتوعية.

ولتعظيم هذه الفائدة، يشدد الدكتور أبو عيشة على ضرورة إدراج المسؤولية المجتمعية بشكل أصيل ضمن الخطط التشغيلية للمصارف، مع تعزيز التنسيق المشترك والابتعاد التام عن العشوائية والانتقائية غير المدروسة. ويدعو إلى صياغة بيئة اقتصادية واجتماعية متكاملة من خلال إيجاد جسم موحد يتولى دراسة وتحديد كيفية الاستثمار الأمثل لأموال المسؤولية المجتمعية، ووضع الأولويات والخطط التي تنسجم تماماً مع الأهداف التنموية والاقتصادية والتعليمية والصحية للمجتمع الفلسطيني.

التحليل الهيكلي والمالي لتوجهات الإنفاق المصرفي

وفي قراءة تحليلية للأرقام، يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور سعيد صبري أن البيانات المتوفرة تعكس التزاماً مؤسسياً راسخاً ومستقراً للبنوك العاملة في فلسطين تجاه مسؤوليتها المجتمعية على مدار الأعوام 2023-2025 بإجمالي قدره 23.449 مليون دولار، منوهاً إلى أن مجموع الأرقام السنوية المعلنة يشير إلى نحو 23.42 مليون دولار، وهو فارق طفيف جداً يعود لعمليات التقريب الحسابية. ويشير صبري إلى أن ثبات متوسط الإنفاق السنوي حول حاجز 7.8 مليون دولار يبرهن على الحضور القوي للمصارف في المشهد الاجتماعي بالرغم من الهشاشة العالية التي تتسم بها البيئة الاقتصادية المحيطة.

أما من حيث التطور الزمني، فيلفت الدكتور صبري إلى وجود مسار تراجعي في حجم الإنفاق؛ حيث انخفض من 8.55 مليون دولار في عام 2023 إلى 7.55 مليون دولار في عام 2024 بنسبة هبوط تقارب 11.7%، ليتراجع مجدداً في عام 2025 إلى نحو 7.32 مليون دولار وبانخفاض إضافي بلغت نسبته 3.0%. ويقراً صبري هذا التحول اقتصادياً بأن البنوك لم تتخلَ عن دورها المجتمعي، وإنما قامت بإعادة ضبط وتوجيه نفقاتها لتتلاءم مع تصاعد المخاطر وتراجع هوامش الأعمال، والحاجة الملحة لإدارة السيولة ورأس المال بسياسات أكثر تحفظاً، مما يعني الاستمرار في الالتزام مع ترشيد التوسع.

وعند تفكيك البيانات الخاصة بتوزيع إنفاق عام 2025، يرى صبري أنها تحمل دلالات اقتصادية واجتماعية بالغة الأهمية؛ حيث جاء قطاع الإغاثة والمساعدات الإنسانية أولاً بنسبة 27% (حوالي 1.98 مليون دولار)، وتبعه قطاع التعليم بنسبة 24% (نحو 1.79 مليون دولار). وفي المرتبة الثالثة حل قطاعا إبداع الشباب والصحة والبيئة بنسبة تساوت عند 16% لكل منهما (بواقع 1.17 مليون دولار تقريباً لكل مجال)، بينما حازت التنمية المجتمعية على 5%، وذهبت النسب المتبقية لقطاعات الثقافة والفنون والطفولة وتمكين المرأة وذوي الاحتياجات الخاصة والرياضة. ويخلص الدكتور صبري إلى أن هذا التوزيع يعكس توازناً ذكياً بين تخفيف الصدمات الاجتماعية قصيرة المدى عبر الإغاثة، والاستثمار طويل الأجل في رأس المال البشري من خلال التعليم والشباب والصحة، مما يرفع قدرة المجتمع على التعافي مستقبلاً ويقلل الكلف الاقتصادية على الأسر، مؤكداً أن هذه المساهمات تمثل رافعة مساندة قوية تعزز الصمود الاجتماعي والكرامة الإنسانية، وإن كانت لا تشكل بديلاً عن السياسات العامة للدولة.