هل كان الفلسطينيون أقسى على أنفسهم من خصومهم؟
مقالات

هل كان الفلسطينيون أقسى على أنفسهم من خصومهم؟

عند قراءة تاريخ القضية الفلسطينية منذ بدايات المشروع الاستعماري في فلسطين، مرورًا بمرحلة الاحتلال الإسرائيلي، ثم حقبة منظمة التحرير الفلسطينية، وصولًا إلى مرحلة الانقسام بين حركتي فتح وحماس، يخرج المتابع بجملة من الملاحظات الصادمة التي يصعب تجاهلها.

فإلى جانب الاختلال الكبير في موازين القوى مع الاحتلال، تكشف التجربة الفلسطينية عن حقيقة مؤلمة مفادها أن الفلسطينيين كانوا في كثير من المحطات أكثر شراسة في مواجهة بعضهم البعض مما كانوا عليه في مواجهة خصومهم السياسيين والعسكريين. فقد استنزفت الصراعات الداخلية قدرًا هائلًا من الطاقات الوطنية، وأهدرت فرصًا تاريخية كان يمكن استثمارها في تعزيز صمود المجتمع الفلسطيني وبناء مؤسسات أكثر قوة وفاعلية.

ولعل أحد أبرز مظاهر الأزمة يتمثل في ضعف القدرة على إدارة العلاقة مع العالم العربي وأنظمته السياسية. فعلى مدار عقود طويلة، بُنيت الكثير من السياسات والمواقف الفلسطينية على رهانات عاطفية أو تقديرات غير واقعية لطبيعة المصالح الإقليمية والدولية. وفي كل مرة كانت الجماهير الفلسطينية تُفاجأ بمستوى الدعم العربي الفعلي، وكأنها تكتشف من جديد أن الدول تتحرك وفق مصالحها الوطنية لا وفق الشعارات أو العواطف.

غير أن جزءًا من هذه الصدمة المتكررة يعود إلى الخطاب السياسي الذي قدمته بعض القيادات الحزبية للشعب الفلسطيني، حين رفعت سقف التوقعات إلى مستويات غير قابلة للتحقق، وربطت مستقبل القضية بحسابات فصائلية أو رهانات شخصية أكثر من ارتباطها بقراءة واقعية لموازين القوى والتحولات الإقليمية.

وفي الداخل الفلسطيني، لم تقتصر الأزمة على إدارة الصراع مع الاحتلال، بل امتدت إلى إدارة المجتمع نفسه. فقد تحولت المنافسة السياسية في أحيان كثيرة إلى حالة من الاستقطاب الحاد، وأصبح الولاء التنظيمي مقدمًا على الكفاءة، والمصلحة الحزبية مقدمة على المصلحة الوطنية، الأمر الذي أضعف المؤسسات وأفقد قطاعات واسعة من المجتمع ثقتها بالنخب السياسية.

إن مراجعة التجربة الفلسطينية لا تهدف إلى جلد الذات أو تبرئة الاحتلال من مسؤولياته التاريخية والقانونية والأخلاقية، بل تهدف إلى فهم أسباب التعثر الوطني. فالشعوب التي لا تراجع أخطاءها محكومة بتكرارها، والقضايا العادلة لا تنتصر بالحق وحده، بل تحتاج أيضًا إلى إدارة رشيدة، ومؤسسات قوية، وقيادات تمتلك القدرة على تقديم المصلحة الوطنية على الحسابات الحزبية الضيقة.

بعد أكثر من قرن على بداية الصراع، ربما أصبح السؤال الأهم ليس: لماذا خذلنا الآخرون؟ بل: ماذا فعلنا نحن لتجنب هذا الخذلان؟ وكيف يمكن بناء مشروع وطني قادر على تجاوز أخطاء الماضي واستعادة ثقة الإنسان الفلسطيني بمستقبله؟

إن الإجابة الصادقة عن هذه الأسئلة قد تكون الخطوة الأولى نحو الخروج من دائرة الإخفاقات المتكررة، والانتقال من ثقافة تبرير الأخطاء إلى ثقافة المراجعة والإصلاح والبناء.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر وكالة صدى نيوز.