بين الشائعة والحقيقة... من يكسب ثقة الجمهور؟
مقالات

بين الشائعة والحقيقة... من يكسب ثقة الجمهور؟

من يكسب ثقة الجمهور أولاً: من ينشر الخبر سريعاً أم من يقدمه بدقة؟ سؤال يزداد حضوره في عصر تتدفق فيه الأخبار والمعلومات بسرعة غير مسبوقة.

في عالم الاتصال الحديث لم يعد هناك ما يُعرف بالفراغ الإعلامي. فكل معلومة تتأخر جهة ما في تقديمها، يبادر آخرون إلى ملء المساحة التي تتركها، سواء استناداً إلى معلومات دقيقة أو إلى توقعات وتحليلات قد لا تستند إلى حقائق مكتملة. وفي زمن الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، أصبح كل فرد قادراً على نشر المعلومة أو تفسيرها أو حتى تأويلها أمام آلاف المتابعين خلال دقائق.

كل سؤال لا تجيب عنه الجهة المعنية بوضوح وفي الوقت المناسب، ستتولى الإجابة عنه عشرات الصفحات والحسابات والمجموعات على وسائل التواصل الاجتماعي. وهنا لا تتوقف المسألة عند حدود تداول المعلومات، بل تمتد إلى تشكيل القناعات والانطباعات لدى الرأي العام.

هذا ما نشهده بصورة متزايدة في المجتمع الفلسطيني. فمع كل قضية تمس حياة المواطنين، سواء تعلقت بالرواتب أو الأسعار أو الخدمات أو الأوضاع الاقتصادية، يبدأ كثير من الناس بالبحث عن الإجابات في مصادر غير رسمية قبل صدور الرواية الحكومية. ومع مرور الوقت، يتحول بعض المؤثرين والناشطين والصفحات الإخبارية إلى مصادر رئيسية للمعلومات بالنسبة لشريحة واسعة من الجمهور.

ولا تكمن المشكلة فقط في سرعة انتشار الشائعات أو التسريبات غير المؤكدة، إذ بات جزء من الجمهور يمنح هذه المصادر قدراً من الثقة يوازي أحياناً، أو يفوق، ثقته بالمصادر الرسمية.

ولا يمكن تفسير هذه الظاهرة بعامل السرعة وحده، إنما بمجموعة من العوامل المتراكمة، من أبرزها تراجع مستوى الثقة لدى بعض المواطنين بالمصادر الرسمية، وقدرة المصادر البديلة على التفاعل المباشر مع الجمهور، واستخدام لغة بسيطة وقريبة من الناس، إضافة إلى شعور البعض بأن المؤسسات الرسمية لا تتواصل معهم بالقدر الكافي أو لا تقدم إجابات واضحة في الوقت المناسب.

في المقابل، تواجه المؤسسات الحكومية واقعاً مختلفاً. فالمعلومة الرسمية لا تصدر عادة بالسرعة نفسها التي تنتشر بها الشائعات أو التوقعات، لأنها تمر بإجراءات قانونية وإدارية ومراجعات متعددة قبل إعلانها. كما أن بعض الملفات الحساسة، سواء كانت مالية أو سياسية أو أمنية، قد لا تكون قراراتها محسومة بصورة نهائية لحظة تداولها في الفضاء الرقمي.

ويبرز ملف الرواتب مثالاً واضحاً على ذلك. فمع اقتراب موعد صرف الراتب من كل شهر، تبدأ موجة واسعة من التوقعات والتسريبات والتحليلات، ويتحول الموضوع إلى محور اهتمام يومي للموظفين ووسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي. وبينما يبحث المواطن أو الموظف عن إجابة سريعة ومباشرة، تكون الجهات الرسمية ما تزال تتابع المستجدات وتستكمل المعطيات اللازمة لاتخاذ القرار النهائي.

وقد يغيب عن أذهان البعض أن القرارات الحكومية، خصوصاً تلك المرتبطة بحياة الناس ومعيشتهم، تحتاج إلى قدر من التروي والدقة، لأن أي معلومة غير دقيقة قد تكون لها تداعيات تتجاوز لحظة الإعلان نفسها.

لكن التحدي الحقيقي لا يتعلق بمن يملك المعلومة فقط، بل بمن ينجح في إدارة توقعات الجمهور وبناء جسور الثقة معه. فالمواطن لا ينتظر البيان الرسمي فحسب، بل يريد أن يشعر بأن هناك جهة تتواصل معه باستمرار، وتطلعه على ما يجري، وتشرح له الأسباب والتحديات والخيارات المطروحة بشفافية ووضوح. وعندما يغيب هذا التواصل، تتسع مساحة الاجتهادات والشائعات، ويصبح تصحيح الانطباعات الخاطئة أكثر صعوبة.

واستعادة هذه المصداقية لا تتحقق عبر البيانات الرسمية وحدها. تحتاج أيضاً إلى حضور اتصالي مستمر يسبق الشائعة ولا يكتفي بملاحقتها. فالجمهور يريد معلومات دقيقة، لكنه يريد أيضاً أن يشعر بأن صوته مسموع، وأن قضاياه اليومية تحظى بالاهتمام والأولوية.

ومن هذا المنطلق، لا ينبغي للإعلام الحكومي أن ينظر إلى وسائل التواصل الاجتماعي والصفحات الإخبارية باعتبارها منافساً على عدد المتابعين أو حجم التفاعل، بل باعتبارها جزءاً من البيئة الإعلامية التي يمكن توظيفها لإيصال المعلومة الصحيحة وتعزيز الوعي العام. فحين تتأخر الرواية الرسمية، لا يبقى الفراغ قائماً، وسرعان ما يملؤه آخرون. وقد يصبحون بالنسبة للجمهور المصدر الأول للمعلومة.

وإذا كان تعزيز التواصل المباشر مع الجمهور جزءاً أساسياً من الحل، فإن الانفتاح على الفاعلين في البيئة الإعلامية الرقمية يمثل مساراً مكملاً لا يقل أهمية. وفي بيئة إعلامية لم تعد المؤسسات الرسمية تحتكر فيها تدفق المعلومات، تبدو الحاجة ملحة لبناء قنوات تواصل أكثر فاعلية مع الصحفيين والمؤثرين وصناع المحتوى، ليس بهدف توجيه الخطاب العام، وإنما لضمان وصول المعلومات الدقيقة إلى الجمهور عبر المنصات التي يتابعها ويثق بها.

في النهاية، لا تقتصر هذه الظاهرة على فلسطين وحدها، بل تمثل تحدياً عالمياً تواجهه الحكومات والمؤسسات في عصر التدفق المتسارع للأخبار والمعلومات. لذلك لم يعد الاكتفاء بنفي الشائعة أو تصحيحها كافياً، إذ أصبح التواصل الاستباقي وتوفير البيانات الدقيقة في الوقت المناسب ضرورة لا خياراً. ففي معركة الثقة، لا يفوز بالضرورة من يتحدث أولاً، بل من ينجح في أن يكون الأكثر مصداقية والأقرب إلى جمهوره.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر وكالة صدى نيوز.