النقابات.. للوطنِ أم لأشخاص؟
رئيس التحرير

النقابات.. للوطنِ أم لأشخاص؟

كتب رئيس تحرير صدى نيوز: تنطلقُ الفلسفةُ الكبرى لتأسيسِ النقابات من ضرورةٍ وطنيةٍ لتنظيم الأنشطة والفعاليات وصون الحقوق لمجموعة من الأفراد يتخصصون في جانب معين، والعمل النقابي مظهر من مظاهر الديموقراطية التي تتيح للأفراد التعبير عن آرائهم، واختيار من يمثلهم داخل المجتمع.

في الحالة الفلسطينية التي ابتعدت سنوات طويلة عن إجراء الانتخابات العامة، باتت النقابات بديلاً عن الجسم الأكبر لتمثيل أفراد المجتمع، وهو المجلس التشريعي، وكذلك باتت بديلاً عن الأحزاب السياسية التي شاخت وهرمت وتعطّل دورها.

من هنا كانت أهمية النقابات في فلسطين مضاعفة، فعلى عاتقها مهمات أكبر منها.

إلا أنَّ ظواهر مقلقةً باتت تطل برأسها في الآونة الأخيرة من مقرات النقابات وصفحاتها على مواقع التواصل، وأجلاها وأوضحها ما تم بين نقابتي الأطباء والطب المخبري، حيث وقف المواطن والمحلل والصحفي الفلسطيني مندهشاً من طريقة وأسلوب التعاطي والخلاف بين هاتين النقابتين العريقتين، واللتين تضمان صفوةَ المجتمع المتعلمة والمثقفة.

وصل الخلاف بين النقابتين على مواقع التواصل إلى حد التشهير والطعن والتخوين، في حادثة نادرةٍ وخلافٍ غير مسبوق بين نقابتين فلسطينيتين، وهو ما اعتاد الفلسطينيون على حدوثه بين الأحزاب وليس النقابات.

الخلاف الأخير بين نقابة الأطباء والطب المخبري دقَّ ناقوس الخطر، بل كان مشهداً مرعباً جداً، فآخر حصون الديموقراطية الفلسطينية يُضرب في مقتل، وصفوة المجتمع تتخاصم بطريقة فجة وفظة وأحياناً كثيرة "دونيّة"، ليطرح السؤال الكبير: هل كانت النقابتين ضحيتين لخلافٍ شخصي بين نقيبين؟

الجواب على هذا السؤال ليس من مهمتنا، فهي محصورة في تلمُّس ما وراء الإجابة وما وراء السطور.

لم يكن الخطير في إضراب الأطباء هو تعطيل المشافي، حتى ولو رأى الكثيرون أن ذلك كان الكارثة العظمى، بل اهتراء وفشل العمل النقابي الفلسطيني لأكبر النقابات على الساحة هي الكارثة الكبرى، ففي إضراب الأطباء لم يتأذَّ مواطنٌ على المدى البعيد، ولم نفقد بفضل الله حياة أي مريض، إلا أن الأذى الذي لن يُمحى هو ما حدث من شرخٍ في العمل النقابي، وبين نقابتين هما من أعمدة النظام الصحي الفلسطيني.

لكن، من المسؤول عن هذه "الفوضى النقابية" ومن يتحمل ما عانه الشارع بسبب ذلك وهل تتم محاسبة من تسبب في الضرر للمواطن؟


الخلاصة التي يجب الخروج بها من هذا الخلافِ الخطير هي مجموعةُ خطواتٍ مهمةٍ تضمن عدم تكرار ما جرى، بل ترأب الصدع بين النقابتين، وتحافظ على بيئة العمل النقابي خالية من المصالح والشخصنة، وذلك من خلال:

أولا: اجراء انتخابات حرة ونزيهة للنقابات باستقلالية كاملة.

ثانيا: ضرورة استكمال اقرار النظام للعمل النقابي و وفق المعايير الدولية والعربية التي التزمت بها فلسطين، لمنع اي استغلال للعمل النقابي او حظره.

ثالثا: انشاء محاكم متخصصة للبت بشكل عادل لأي خلاف نقابي.

رابعا: الزام النقابات باحترام القضاء.

خامسا: تشكيل لجان دائمة للحوار مع النقابات وعدم ترك الامور لاستفحال المشاكل وبدء الاضرابات.

سادسا: وضع ميثاق شرف لكل النقابات بمنع اعلان اي اضراب في الاماكن الخطرة مثل الطوارئ وسيارات الاسعاف وعمليات القلب وغسيل الكلى وغيرها.

سابعا: عقد ورشة عمل لتقييم ما حدث خلال الفترة الماضية سواء في نقابة الاطباء او وزارة التربية والتعليم.

ثامنا: الاسراع باقرار قانون الحماية والسلامة الصحية الذي يهدف لحماية الطبيب والمواطن وتفعيل قانون التأمين على الاخطاء الطبية وتفعيل لجان السلامة الصحية وفق الاصول التي تحقق النزاهة وانصاف المريض المتضرر.