لماذا لم يتجاوز الذهب حاجز الـ5500 دولار للأونصة رغم الحرب على إيران؟
أهم الأخبار

لماذا لم يتجاوز الذهب حاجز الـ5500 دولار للأونصة رغم الحرب على إيران؟

خاص صدى نيوز- عادة ما تدفع الحروب أسعار الذهب إلى صعود حاد، باعتباره سيد الملاذات الآمنة، لكن المعدن النفيس سار عكس التوقعات والمنطق الاقتصادي المتعارف عليه، إذ لم تتجاوز سعر الأونصة حاجز الـ5500 دولار ، علماً أن أعلى سعر تاريخي لها سجل في شهر كانون الثاني الماضي، حيث وصلت إلى مستويات قياسية تقارب 5600 دولار في بعض التداولات، وذلك مدفوعة بمخاوف جيوسياسية وتراجع الثقة في العملة الأمريكية والطلب كملاذ آمن.

بعض المحللين كانوا يرسمون منحى تصاعدي للذهب يتجاوز حاجز الـ6000 دولار للأونصة خلال فترة قصيرة، وآخرون ذهبوا إلى أبعد من ذلك بكثير في حالة اندلاع الحرب، فلماذا جاءت الأسعار على عكس التوقعات؟

يقول الخبير المالي والمستشار المصرفي محمد سلامة إن هناك عدة أسباب أدت إلى  عدم ارتفاع أسعار الذهب رغم المخاطر الجيوسياسية، أهمها  الحاجة إلى السيولة لمواجه ضغوط ارتفاع تكلفة توفير الطاقة، موضحاً أن  الارتفاع الكبير في أسعار الطاقة يتطلب توفير سيولة كافية لتوفيرها على أسعار مرتفعة.

ولفت إلى أن صناديق الاستثمار تحتاج إلى السيولة لدعم أرصدة التأمينات المطلوبة للتحوط، بالإضافة إلى عودة الدولار كعملة ملاذاً وقت الحرب واستعادة مكانته مدعوماً بتوقعات ارتفاع التضخم وتراجع احتمالات خفض الفائدة.

ومن بين الأسباب كذلك حسب سلامة، عدم تأثر الاقتصاد الأمريكي بالحرب بنفس الدرجة التي تأثرت بها اقتصاديات منافسة كأوروبا والصين، بالإضافة  إلى عدم وجود عملة أخرى تنافس الدولار وقدرتها على توفير أوعية استثمارية للأموال.

وأضاف: "هناك إعادة ترتيب لأولويات بناء الاحتياطي وقت الحرب، حيث تحتاج البنوك المركزية إلى أصول سهلة وسريعة التسييل لمواجهة الطلبات الجارية في الاقتصاد كالطاقة أو احتباس السيولة".

ونوه سلامة إلى أن الذهب كان أصلا قد ارتفع بسبب توقعات انخفاض العملات وارتفاع مخاطرها، وهناك عمليات جني أرباح بدأت قبل الحرب، حيث يصعب الدفع بالأسعار للارتفاع في هذا النطاق المرتفع من السعر تاريخياً.

ويتابع: "الذهب يستفيد من ارتفاع التضخم، إلا أن عملية اختزال التضخم في سعر الذهب عادة ما تأخذ وقتاً، وتأتي متأخره بعد أن يستقر المستوى العام للأسعار، ولا يتأثر الذهب بالتضخم في المدى القصير"، متوقعاً أن  يختزل المعدن النفيس هذا الارتفاع في التضخم لاحقاً، قائلاً: "الذهب سيستجيب وسيرتفع لاحقا إذا ما استمرت الحرب وطال أمدها".

بدوره، يقول الخبير الاقتصادي د. ثابت أبو الروس بأن الوضع الطبيعي للذهب أن يرتفع في الحروب، لأنه يعتبر من الملاذات الآمنة، مدللاً على ذلك بأنه خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة سار صعوداً بشكل طبيعي، ولكن مع بدء العدوان الإسرائيلي الأمريكي على إيران حصل العكس. 

وأشار إلى أن السبب الرئيسي لتذبذب أسعار الذهب مؤخراً ناتج من نقص في السيولة النقدية العالمية، منوها إلى أن المستثمر يحاول في الأزمات الاستفادة من الملاذات الآمنة، وتلك التي تحقق له ربحاً مرتفعاً.

وأوضح بأنه منذ بدء الحرب على إيران أصبحت واجهة الاهتمام نحو النفط أولاً، إذ أصبح توجه المستتثمر نحو الربح السريع في النفط، بالإضافة إلى أن الالتزامات على المستثمرين دفعتهم إلى عمليات بيع في العملات الرقمية مثل البيتكوين التي شهدت انخفاضاً حاداً.

كما أوضح د. أبو الروس إلى أن الخسائر التي تكبدتها أسواق المال دفعت المستثمرين إلى البحث السريع عن توفير سيولة نقدية لوقف نزيف الخسارات في الأسهم، منوهاً إلى أن السيولة النقدية توجهت نحو شراء النفط، ووقف خسائر البتكوين تلك الناجمة عن الأسواق المالية، ما أدى ذلك إلى عزوف نحو التوجه لشراء الذهب، الأمر الذي تسبب بتذبذب الأسعار.

أما بخصوص المستقبل، فقال د. أبو الروس بأن هذه الحرب حملت في طياتها كثيراً من المفاجآت، إذ كان العالم ينتظر تنصيب خلفاً للمرشد الايراني الذي تم اغتياله، وقد رسم الخيار غموضاً حول الفترة التي ستستمر فيها الحرب، بالإضافة إلى التصريحات الأمريكية والإسرائيلية الرافضة لاستئناف المفاوضات.(قبل أن يتحدث الرئيس دونالد ترامب عن قرب نهاية الحرب).

ويضيف: "باعتقادي بأن التذبذب سيبقى سيد الموقف خلال الفترة القادمة، سواء على صعيد أسعار الذهب أو النفط أو الفضة أو على البتكوين أو الأسواق المالية".

أما بخصوص التحليلات التي توقعت ارتفاعاً كبيراً لسعر الذهب، في حال اندلاع الحرب، فأكد د.أبو الروس بأن التحليلات تأخذ بعين الاعتبار عاملين: مستقل وتابع، ويمكن أن يكون للعامل التابع تأثيراً أعلى، وبالتالي تم أخذ معيار بأن أسعار الذهب سترتفع أخذاً بعين الاعتبار بأن هناك حرب، لكن يمكن للمتغير التابع أن يؤثر بشكل أعلى بكثير من المتغير المستقل بدليل أن انتخاب مرشد أعلى جديد في إيران أثر بشكل مباشر وإن لم يكن بالحسبان  على سير توجهات الأسواق الاقتصادية والمالية العالمية.

يذكر أن أسعار الذهب انخفضت بنحو 2% خلال الأسبوع الأول من الحرب  الأمريكية الإسرائيلية على إيران نتيجة لارتفاع الدولار القوي وتأثيره على الملاذات الآمنة، رغم المخاوف الجيوسياسية.

لكن الأسعار عادت إلى الارتفاع مجداً اليوم الثلاثاء مدعومة بضعف الدولار وانخفاض تكاليف الطاقة بعد أن أشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى إمكانية انتهاء الحرب قريباً.

وارتفع سعر الذهب الفوري بنسبة 0.8 في المائة إلى 5179.52 دولار للأونصة، بينما ارتفعت العقود الآجلة للذهب الأميركي تسليم نيسان بنسبة 1.7 في المائة إلى 5188.70 دولار.

ومن المرجح أن يقلل انحسار التضخم المحتمل الناجم عن الحرب من احتمالية رفع البنوك المركزية لأسعار الفائدة، وهو ما يُعد عاملاً إيجابياً للذهب الذي لا يُدرّ عوائد.