أطفال في قلب الحروب.. آثار نفسية تمتد إلى الجسد
منوعات

أطفال في قلب الحروب.. آثار نفسية تمتد إلى الجسد

صدى نيوز - تخلف الحروب أضراراً مادية جسيمة في الممتلكات وخسائر فادحة في الأرواح، لكن العواقب التي تتركها على الأحياء هي أقوى وأشد، خصوصاً على الأطفال الذين ما زالوا في طور النمو.

ووفقاً للدراسات، فإن الحروب والصراعات المستمرة طويلة الأمد التي قد يتعرض لها الأطفال تجر ويلاتها عليهم فيصبحون عرضة لمجموعة من المشكلات النفسية كالقلق والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة.

هذه المشكلات تلعب دوراً في إضعاف الحاجز المناعي فيصبح الجسم عرضة لعديد من الأمراض الطارئة أو حتى تلك المزمنة، فتستقر في أجسادهم وتطال آثارها السلبية الجانب النفسي لديهم في مرحلة حساسة تتضمن تشكيل الهوية الشخصية والمعرفية الخاصة بهم.

يتعرض الأطفال خلال الحروب لاضطرابات نفسية مثل اضطراب ما بعد الصدمة، الذي غالباً ما يرتبط بالاكتئاب والقلق ومشكلات سلوكية، بينما قد يعاني آخرون من الاكتئاب أو القلق فقط. وتختلف شدة التأثير بحسب عوامل مثل العمر والجنس والظروف الاجتماعية والمادية، إضافة إلى دعم الوالدين والارتباط الروحي.

وأجرى باحثون من جامعات في إيطاليا وألمانيا مراجعة تحليلية نُشرت مطلع عام 2025 في مجلة غلوبال بيدياتريكس (Global Pediatrics) لدراسة الأثر النفسي للحروب على الأطفال في مناطق مثل فلسطين وأوكرانيا. وأظهرت النتائج أن التأثيرات النفسية تكون أشد لدى الأطفال النازحين إلى مخيمات اللاجئين مقارنة بمن بقوا مع عائلاتهم في مناطقهم رغم الحرب.

ووفقاً لنتائج الدراسة لوحظ أن الأطفال في مناطق النزاع اعترتهم سلوكيات غير متعمدة، فسيطرت عليهم تصرفات عدوانية، وحالات من الهيجان والاندفاعية نتيجة الصدمة التي أحدثت ضغطاً نفسياً يصعب احتماله لديهم.

الحروب ومناعة الأطفال

يؤدي التعرض الطويل والمستمر لظروف الحروب وويلاتها إلى زعزعة المناعة الداخلية للأطفال من خلال خلخلة الجهاز المناعي أو ذاك المرتبط بالأعصاب والغدد الصماء وما يرتبط بهما من وظائف حساسة، إلى جانب ما تتسبب به من اضطراب النوم، وإعاقة نمو وتطور الخلايا الجسدية.

ويذكر أيضاً في هذا الصدد التأثير غير المباشر للحروب والنزاعات على مناعة الجسم، إذ يترتب على مثل هذه الظروف أحياناً سوء التغذية والميل للخمول وقلة الحركة فتؤدي مجتمعة إلى دك حصون المناعة في الجسم فتتركه عرضة للأمراض المزمنة أو تلك المؤقتة.

وأظهرت دراسات عدة من بين تلك التي جرى تمحيصها ومراجعتها في ذات الدراسة المذكورة آنفاً أن حدة الآثار النفسية السلبية التي يعاني منها الأطفال في هذه الظروف ترتبط مباشرة مع مدى تكرار وشدة ظروف الحرب التي يعايشونها.

فكلما كانت أعنف وأطول كانت العواقب أكثر ضرراً، بل ذهبت الأبحاث إلى أن مجرد العيش بجوار مناطق مهددة بالقصف ضمن محاور النزاعات يكفي بأن يتسبب باضطرابات نفسية واضحة لدى الأطفال اليافعين.

تأثيرات على الذاكرة واللغة

الضغط النفسي المزمن الذي يتعرض له الأطفال مطولاً ينشط عمل المحور الذي يجمع بين الغدد تحت المهاد، والنخامية، والكظرية، والذي بدوره إذا ما طال تنشيطه تختل معه وظائف عديدة مهمة فتعيق استكمال نمو ونضج الدماغ كما ينبغي له في هذه المرحلة، فتتضرر الذاكرة، وتنخفض القدرة على التركيز واكتساب اللغة.

كما تتدهور القدرات المعرفية والقدرة على أداء الوظائف المتعلقة بها، وكنتيجة يصبح الطفل أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب والقلق واضطرابات نفسية أخرى قد ترافقه مروراً بالمراهقة وربما حتى البلوغ، وذلك إذا لم تعالج.

كيف نعتني بنفسية أطفالنا؟

تشير التوصيات التي خرجت بها الدراسة إلى أن الدعم العاطفي للأطفال في مناطق الحروب، والاستجابة الإيجابية الدافئة التي يقدمها الوالدان لأطفالهم خلال الأزمات والصراعات أحد أهم الوسائل الوقائية لتخفيف حدة المشكلات التي قد تصيبهم وتعرقل نموهم.

اعتمدت الدراسة في توصياتها حول كيفية تقديم الرعاية للأطفال في مناطق الصراعات والنزاع على ما اقترحه نموذج بيتانكورت، والذي ينسب للباحثة والأستاذة الجامعية تيريزا بيتانكورت من جامعة بوسطن المسؤولة عن البرنامج البحثي الذي يستهدف دراسة تأثير الأزمات والصدمات على الأطفال، وهو يرتكز على 3 أسس وفقاً للفئات المستهدفة:

التدخلات الشاملة: تعنى بتعزيز الصحة النفسية لدى الأطفال بتثقيفهم وتعليمهم مهارات ووسائل تمكنهم من مواجهة الأزمات والحروب التي قد تطرأ حولهم، بتعزيز ثقتهم بأنفسهم، وتمكينهم من التفكير الإيجابي الذي يطغى معه التفاؤل على التشاؤم، والتي قد يكون لها عظيم الأثر في تخطي العقبات التي تطل برأسها، كما تعنى بضمان تزويدهم بالمواد الغذائية اللازمة وقت الحروب، وتوفير السكن والحماية لهم.

التدخلات الموجهة: تستهدف الأطفال الذين يقبعون تحت وطأة الحروب وظروفها، ممن تعرضوا للنزوح وتغيير أماكن سكناهم، أو أولئك الذين بدأت تظهر عليهم أعراض الاضطرابات النفسية، وذلك من خلال إقحامهم ببرامج دعم تكسبهم مهارات معرفية وعاطفية للتعامل مع المشكلات التي يعانون منها.

التدخلات المتخصصة: ترتكز على مساعدة الأطفال الذين يعانون من اضطرابات شديدة نتيجة ما تعرضوا له، إما لعلاجهم أو لمحاولة السيطرة على الحالة ومنع تفاقمها، وذلك من خلال جلسات تتضمن طرقاً مختلفة من العلاج النفسي، مثل العلاج السلوكي المعرفي (Cognitive Behavioral Therapy) وغيرها.

وتجدر الإشارة إلى أن الخبراء حددوا 5 عناصر أساسية لا بد من تعزيزها وتنميتها لدى المتضررين من الحروب والصدمات:

الشعور بالأمان، والهدوء النفسي، والشعور بالقيمة والكفاءة وانعكاسها على الذات والمجتمع المحيط، والترابط والتواصل مع الأشخاص المحيطين، والشعور بالأمل ودحر الإحباط.

الصلابة النفسية

في محاولة لإلقاء الضوء على طرق أخرى للمساعدة التي يمكن تقديمها للأطفال في مناطق الحروب، أجرت مجموعة من الدارسين من جامعة تامبيري في فنلندا وآخرين من الجامعة الإسلامية في غزة وغيرها دراسة تدخلية استهدفت أطفال غزة بعد حرب عام 2008، تراوحت أعمارهم بين 10 و13 عاما.

وركزت الدراسة على ما سمته المرونة النفسية في التعامل مع الظروف الصعبة كالأزمات والحروب، وقد أظهرت الدور العظيم الذي قد تعكسه الأسرة بتآلفها والعلاقات الدافئة بين الوالدين وأبنائهم وطريقة التربية الرشيدة المبنية على أسس سليمة، وما يمكن أن تقدمه من صلابة نفسية تبني بداخل الأطفال حواجز صلبة تدرأ عنهم الخطر النفسي الذي قد يشكله الفقد أو معاينة مشاهد الدمار والقتل.

لا يمكن أن نسيطر على الظروف من حولنا في معظم الأوقات، خصوصا إذا ما كانت حروبا أو صراعات عالمية، لكننا بالطبع نستطيع التحكم بردود أفعالنا ومواجهة هذه الظروف لطرد الخطر النفسي الذي قد يقف حائلا بيننا وبين كثير من المشاعر التي تدفع بنا نحو الإنجاز والسعادة، وهي -مما لا شك فيه- دروع يستطيع الآباء والأمهات تزويد أطفالهم بها ليكبروا أصحاء نفسيا بغض النظر عما يحدث -وسيحدث- حولهم.

المصدر: الجزيرة + مواقع إلكترونية