إلى متى يدفع المواطن الفلسطيني ثمن مرحلة لا تنتهي؟
مقالات

إلى متى يدفع المواطن الفلسطيني ثمن مرحلة لا تنتهي؟

إلى متى يدفع المواطن الفلسطيني ثمن مرحلة لا تنتهي؟
ليس أصعب ما في الأزمات أن تقع، بل أن تتحول إلى حالة دائمة.
فالأزمة، بطبيعتها، يفترض أن تكون استثناء. ظرفا طارئا يضغط على الناس والاقتصاد، ثم تبدأ المؤسسات بالبحث عن حلول، وتتحرك السياسات لتقليل آثارها، وتستعيد الحياة شيئا من توازنها.
لكن ماذا يحدث عندما لا تنتهي الأزمة؟
عندما يصبح تأخر الراتب احتمالا متكررا، وارتفاع الأسعار واقعا دائما، ونقص الوقود خبرا متوقعا، وتراجع فرص العمل جزءا من الحياة اليومية، ويصبح المواطن مطالبا في كل مرة بأن يفهم الظروف، ويتحمل المرحلة، ويصبر أكثر؟
عندها لا تعود المشكلة في أزمة واحدة.
المشكلة أن "المرحلة" نفسها أصبحت بلا نهاية.
المواطن يدفع الفاتورة دائما
في الاقتصاد، لا توجد أزمات بلا تكلفة.
لكن السؤال  هو: من يتحمل هذه التكلفة؟ وكيف توزع؟ وهل يتحملها المجتمع بعدالة؟
في واقعنا الفلسطيني، يدرك المواطن أن الاقتصاد يعمل في بيئة شديدة التعقيد، وأن الاحتلال والقيود على الحركة والتجارة والموارد، والانقسام السياسي، والاعتماد الكبير على مصادر خارجية، كلها عوامل تفرض قيودا حقيقية على القرار الاقتصادي.
لكن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يعني أن تصبح كل أزمة مبررا دائما لغياب الحلول.
فالمواطن يدفع عندما تتأخر الرواتب.
ويدفع عندما ترتفع الأسعار.
ويدفع عندما ينقطع الوقود.
ويدفع عندما تتراجع الخدمات.
ويدفع عندما تتقلص فرص العمل.
ويدفع عندما تتعثر المشاريع.
ويدفع حتى عندما يفشل الاقتصاد في توفير الحد الأدنى من القدرة على التخطيط للمستقبل.
أما المسؤولية، فتظل موزعة بين الظروف الخارجية، والأزمة المالية، والاحتلال، والجهات المانحة، والتطورات السياسية، والأسواق العالمية.
وكل ذلك صحيح.
لكن المواطن، في النهاية، لا يدفع جزءا من الفاتورة.
إنه يدفعها كاملة.
المشكلة ليست فقط في قلة الدخل
قد يعتقد البعض أن المشكلة الاقتصادية تختصر في انخفاض دخل المواطن.
لكن الواقع أعمق من ذلك.
المشكلة أن المواطن لم يعد قادرا على التخطيط.
والاقتصاد الذي يفقد الناس فيه القدرة على التخطيط، يفقد أحد أهم شروط الاستقرار.
كيف يمكن لشاب أن يخطط للزواج، إذا كان لا يعرف قيمة دخله بعد شهرين؟
كيف يمكن لعائلة أن تخطط لتعليم أبنائها، إذا كانت الأسعار ترتفع بوتيرة أسرع من قدرتها على الادخار؟
كيف يمكن لصاحب مشروع صغير أن يستثمر، إذا كان لا يعرف تكلفة التشغيل غدا؟
كيف يمكن لمستثمر أن يضخ أمواله، إذا كان السوق نفسه يعيش على الاحتمالات؟
وحين يعجز الناس عن التخطيط، يبدأ الاقتصاد كله في التراجع.
يؤجل المواطن قراراته. يقلل استهلاكه. يتوقف عن الاستثمار. يفضل الاحتفاظ بما لديه. وتتحول السوق تدريجيا من اقتصاد يبحث عن النمو إلى اقتصاد يبحث عن البقاء.
وهنا لا تعود الأزمة مجرد مشكلة مالية.
إنها تتحول إلى أزمة ثقة.
الصبر ليس سياسة اقتصادية
لقد أصبح الصبر جزءا من الخطاب العام.
اصبروا على الأزمة.
اصبروا على تأخر الرواتب.
اصبروا على ارتفاع الأسعار.
اصبروا حتى تتحسن الظروف.
لكن الصبر، مهما كان ضروريا، لا يمكن أن يكون بديلا عن السياسة العامة.
ولا يمكن أن يتحول إلى خطة اقتصادية.
فالمواطن يستطيع أن يصبر على ظرف استثنائي، لكنه لا يستطيع أن يبني حياته كلها على الانتظار.
هناك فرق بين أن يطلب من المجتمع تحمل كلفة أزمة مؤقتة، وبين أن يصبح تحمل الأزمات نمطا دائما للحياة.
وهناك فرق بين أن تقول للناس: هذه أزمة، وهذه أسبابها، وهذه خطتنا للخروج منها، وبين أن تطلب منهم الصبر دون موعد واضح، ودون مؤشرات قابلة للقياس، ودون إجابة عن السؤال الأهم:
إلى أين نحن ذاهبون؟
من إدارة الأزمة إلى إدارة الخروج منها
التحدي الحقيقي اليوم لا يتمثل فقط في مواجهة الأزمة الحالية، بل في منع الأزمات من التحول إلى نظام دائم.
وهذا يتطلب تغييرا في طريقة التفكير الاقتصادي.
فإدارة الأزمة تعني التعامل مع المشكلة بعد وقوعها.
أما إدارة الخروج من الأزمة، فتتطلب بناء قدرة على التنبؤ، ووضع سيناريوهات، وتحديد الأولويات، وإعادة ترتيب الإنفاق، وحماية الفئات الأكثر هشاشة، وتعزيز الإنتاج المحلي، ودعم القطاعات القادرة على خلق فرص العمل، وتقليل الاعتماد على مصادر التمويل غير المستقرة.
كما تتطلب مصارحة المواطن.
فالمواطن لا يحتاج إلى بيانات مطمئنة بقدر حاجته إلى معلومات واضحة.
يريد أن يعرف:
ما حجم المشكلة؟
ما أسبابها؟
ما الخيارات المتاحة؟
ما الكلفة؟
من يتحملها؟
وما الجدول الزمني المتوقع للخروج منها؟
قد تكون الحقيقة صعبة، لكنها أقل كلفة من الغموض.
فالناس تستطيع أن تتعامل مع أزمة واضحة المعالم، لكنها تنهار أمام عدم اليقين.
المواطن ليس متغيرا قابلا للتحميل
في كل معادلة اقتصادية، هناك حدود لما يمكن تحميله لأي طرف.
والمواطن ليس صندوقا مفتوحا يمكن العودة إليه كلما ظهرت فجوة مالية.
ليس منطقيا أن نطلب منه دفع المزيد، وتحمل المزيد، والاستهلاك الأقل، والانتظار الأطول، بينما تتراكم عليه الالتزامات اليومية دون أن تتوسع قدرته على الكسب.
فالمواطن ليس مجرد مستهلك.
هو العامل الذي ينتج، والموظف الذي يدفع، والتاجر الذي يحرك السوق، ورب الأسرة الذي ينفق، والمستثمر الصغير الذي يمكن أن يخلق فرصة عمل.
وإذا استنزفت قدرته الاقتصادية، فإن الاقتصاد كله يدفع الثمن.
السؤال الذي لم يعد قابلا للتأجيل
لا أحد يطلب حلولا سحرية.
ولا أحد يتوقع اقتصادا مستقرا في بيئة سياسية واقتصادية بهذه القسوة.
لكن ما يطلبه المواطن هو شيء أكثر واقعية:
أن يعرف الحقيقة.
أن يرى خطة.
أن يشعر بأن كلفة الأزمة توزع بعدالة.
أن يدرك أن التضحية ليست طريقا باتجاه واحد.
وأن يرى أن هناك محاولة حقيقية للخروج من دائرة الأزمات، لا مجرد إدارة يومية لها.
فالمشكلة ليست أن المواطن تعب.
المشكلة أنه أصبح يتعب من الأزمة، ثم من انتظار نهايتها، ثم من أزمة جديدة تبدأ قبل أن يتعافى من السابقة.
وفي النهاية، لا يمكن أن تكون الإجابة الدائمة على كل سؤال:
"هذه مرحلة، اصبروا."
لأن المرحلة التي لا تنتهي تتحول إلى واقع.
والواقع الذي لا يتغير يتحول إلى نظام.
والنظام الذي يجعل المواطن يدفع الثمن دائما، يحتاج إلى مراجعة حقيقية.
لذلك، فإن السؤال لم يعد:
هل يستطيع المواطن أن يصبر؟
لقد أثبت أنه يستطيع.
السؤال
هو:
إلى متى سيظل مطلوبا من المواطن أن يدفع ثمن مرحلة لا تنتهي، بينما لا يعرف أحد متى تبدأ مرحلة الخروج منها؟

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر وكالة صدى نيوز.