الفرح الذي يمرّ عبر الحواجز
مقالات

الفرح الذي يمرّ عبر الحواجز

ما سأرويه ليس استثنائيًا أمام ما يعيشه كل فلسطيني يوميا وفي كل مكان، ولا يُقاس به. لكنه يذكرنا بأن الضمير الحي لا ينتظر حتى يصل الخطر إلى عتبة بابه.

خرجنا مساء السبت 18 تموز 2026 بكامل أناقتنا. لم نكن ذاهبين إلى مكان يحمل أي معنى للحرب أو السياسة. كنا ذاهبين إلى عرس صديق عزيز، فرحة انتظرها طويلًا، وهو وحيد أمه، وكان حضورنا بالنسبة لنا جزءًا من الوفاء لهذه اللحظة. في فلسطين، حتى الوصول إلى الفرح ليس أمرًا بسيطًا.

في الطريق إلى مدينة الطيبة، أوقفنا حاجز عسكري قرابة خمسٍ وأربعين دقيقة. لا تفسير، ولا موعد لانتهاء الانتظار، ولا سبب يُقال لك. فقط سيارات مصطفة، ووجوه تنظر إلى ساعاتها بصمت، فيما الحياة تتأخر على الجانب الآخر من الحاجز.
وصلنا متأخرين.

لكن ساعة واحدة وسط الموسيقى والضحكات كانت كافية لأن تجعلنا ننسى كل شيء. نسينا الحاجز، وتأخير الطريق، وثقل الواقع. للحظة قصيرة، بدت الحياة طبيعية. رقصنا، وضحكنا، وشاركنا صديقنا فرحة عمره، وكأننا، نحن أيضًا، نستحق أن نعيش يومًا عاديًا.
لكن الطريق إلى البيت لم يكن طريقًا إلى البيت.

في طريق العودة، اعترضتنا مجموعة من المستوطنين، معظمهم لم يتجاوزوا الثامنة عشرة من العمر. أكثر وصف يليق بهم "قطاع طرق" بأشكال غريبة ومريبة لا تستطيع عند رؤيتها ان تلتقط أنفاسك، فكل النهايات والسيناريوهات المخيفة تحتل مخيلتك وأولها ان لا تستطيع العودة ومعانقة أطفالك. كانوا يوقفون السيارات، يهاجمون من فيها، ويحاولون سلب هواتفهم والاعتداء عليهم. السيارة التي أمامنا، وفيها أصدقاؤنا، كانت هدفًا لهم، ثم وصل الاعتداء إلينا.

في دقائق قليلة، تحولت العودة من عرس إلى محاولة للنجاة.
نجونا بفضل الله.

لكننا عدنا ونحن نحمل شعورًا لا يغادر بسهولة؛ أن الفرح هنا لا يُسمح له أن يكتمل، وأن الطريق إلى مناسبة سعيدة قد يتحول، في أي لحظة، إلى طريق يهدد حياتك.

كثيرون يظنون أن من يعيش في رام الله يعيش بعيدًا عن هذه التفاصيل، وربما نقنع أنفسنا نحن أيضًا بذلك أحيانًا. لكن هذا الإحساس هش للغاية. يكفي أن تنتقل من مدينة إلى أخرى حتى تدرك أن المسافة في فلسطين لا تُقاس بالكيلومترات، بل بكمية المجهول والخوف الذي ينتظرك.

والأقسى من الخوف نفسه، أن رد فعلك أصبح جزءًا من خوف آخر. فأنت تعلم أن محاولة الدفاع عن نفسك قد تقلب المشهد كله، فتتحول من ضحية إلى متهم، ويصبح المطلوب منك، حتى في لحظة الاعتداء عليك، أن تحسب كيف تنجو، وكيف لا تُدان.
وفي اليوم التالي الأحد 19 تموز 2026، حاولنا أن نبدأ من جديد.

ذهبنا مع أولادنا لمشاهدة نهائي كأس العالم. آلاف، بل ملايين البشر حول العالم كانوا يعيشون اللحظة نفسها؛ مباراة، وضحكات، وتشجيع، وساعات قليلة ينسى فيها الناس أخبار العالم الثقيلة.

وقبل صافرة النهاية، جاء صوت سيارات الإسعاف لينهي المباراة، وصل الخبر.
استشهاد شابين في قرية دير جرير بعد اعتداء للمستوطنين.

أُطفئت الشاشات. لم يعد أحد يهتم بنتيجة المباراة. خرج الجميع بصمت، لأن عائلتين كانتا، في اللحظة نفسها، تبدآن وداع ابنيهما.

عندها فقط أدركت أن ما عشناه خلال اليومين لم يكن مصادفة.

لم تكن قصة حاجز، ولا قصة اعتداء، ولا قصة استشهاد.

إنها القصة نفسها، تتكرر بأشكال مختلفة.

هي الحياة التي نعيشها نحن الفلسطينيين؛ نحاول باستمرار أن نتمسك بما يبقينا على قيد الحياة: عرس، مباراة، رحلة، لقاء عائلي، ضحكة عابرة، أو صورة نلتقطها لنحتفظ بذكرى جميلة. لكن الاحتلال يقتحم هذه التفاصيل الصغيرة، لا ليعطل يومًا واحدًا، بل ليعيد تشكيل معنى الحياة نفسها.

إنه لا يسرق الأرض فقط، بل يهدد وجودك، يقيد حريتك وجركتك ويسرق أي معنى يتعلق بالإحساس بالأمان، ويجعل الخوف جزءًا من التخطيط لأي رحلة، والمجهول رفيقًا دائمًا للطريق.

وربما لهذا تبدو حياتنا سريالية إلى هذا الحد.

ما نعيشه ليس حربًا بالمعنى الذي يفهمه العالم؛ حربٌ تبدأ ثم تنتهي. الحرب هنا ليست حدثًا، بل الحالة التي تُعاش داخلها الحياة. نبني حياتنا كل صباح، فيما يرافقنا سؤالٌ واحد: أيُّ جزءٍ منها سيبقى قائمًا حتى المساء؟

ومع ذلك، سنظل نذهب إلى الأعراس، ونجلس مع أولادنا لنشاهد المباريات، ونخطط لأيامنا القادمة. لا رفيق لنا غير الأمل بأن نكون أحرار لأننا نستحق.

ليس لأننا لا نعرف حجم الخوف، بل لأن التمسك بالحياة، في مكانٍ يحاول كل يوم أن ينتزعها منك، ليس رفاهية.

إنه الطريقة الوحيدة التي بقيت لننجو ونؤكد أننا ما زلنا هنا. وسنبقى.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر وكالة صدى نيوز.