خليل الحية على رأس حماس.. صعود الوطنية الفلسطينية وإعادة تموضع الحركة
مقالات

خليل الحية على رأس حماس.. صعود الوطنية الفلسطينية وإعادة تموضع الحركة

لا يمكن قراءة انتخاب خليل الحية رئيسا للمكتب السياسي لحركة حماس بوصفه مجرد انتقال تنظيمي للقيادة، ولا باعتباره استحقاقا داخليا عاديا فرضته ظروف الحرب واغتيال عدد من القيادات. فالانتخاب يحمل في طياته دلالات سياسية وتنظيمية وفكرية عميقة، تعكس موازين القوى داخل الحركة، كما تعكس التحولات التي فرضتها حرب غزة على بنية القرار الحمساوي، وعلى العلاقة بين الداخل والخارج، وبين العسكري والسياسي، وبين الواقعية السياسية وخيار الصراع المفتوح...

لكن قراءة أعمق لهذا التحول قد تذهب إلى أبعد من المقارنة التقليدية بين الداخل والخارج، أو بين القيادة السياسية والمؤسسة العسكرية، لتطرح سؤالا أكثر حساسية ... هل يمثل صعود خليل الحية، في أحد أبعاده، صعودا لنهج يمكن وصفه بـ ( الوطنية الفلسطينية ) داخل حماس، على حساب البعد الإخواني العابر للحدود ..؟ وهل يعكس في الوقت نفسه إعادة تموضع داخل الحركة باتجاه المحور الذي تقوده إيران، على حساب الدور التقليدي لشبكة العلاقات التي ارتبطت تاريخيا بقطر وتركيا ..؟ 

ليس المقصود بذلك أن حماس تخلت عن مرجعيتها الإسلامية أو خرجت من إطارها الفكري والتنظيمي، ولا أن الحركة أصبحت منقسمة بصورة صريحة بين تيار إيراني وتيار قطري–تركي، فهذه قراءة تبسيطية لا تعكس بالضرورة تعقيدات البنية الداخلية للحركة. لكن من الممكن القول إن الحرب أعادت ترتيب الأولويات، بحيث أصبح العامل الفلسطيني المباشر، وتجربة المواجهة داخل غزة، أكثر تأثيرا في صناعة القرار من الاعتبارات الإقليمية التي كانت حاضرة بقوة في مراحل سابقة...  وفي هذا السياق، فإن المقارنة بين خليل الحية ومنافسه خالد مشعل ليست مقارنة بين شخصين بقدر ما هي مقارنة بين مدرستين داخل حماس، لكل منهما تصور مختلف لطبيعة الحركة، وأولوياتها، وأدوات اشتباكها مع الاحتلال والإقليم... 

يمثل خليل الحية، إلى حد كبير، مدرسة (الداخل المقاوم)... وهي المدرسة التي تشكلت داخل قطاع غزة، وتبلورت مع صعود الجيل الذي عاش الحصار والحروب المتكررة، واندَمَج بصورة عضوية مع البنية العسكرية للحركة. هذه المدرسة تنظر إلى المقاومة المسلحة باعتبارها الركيزة الأساسية للشرعية السياسية، وترى أن القرار السياسي يجب أن يكون امتدادا لمتطلبات الميدان لا بديلا عنه. ولذلك فإن الحية يعد من أكثر الشخصيات قربا من المؤسسة العسكرية داخل الحركة، ومن أكثرها قدرة على ترجمة رؤيتها إلى مواقف سياسية...  لكن هذه المدرسة يمكن قراءتها أيضا باعتبارها تعبيرا عن نزعة فلسطينية أكثر التصاقا بالجغرافيا المحلية، وأقل ارتباطا بالحسابات التنظيمية العابرة للحدود. فالقيادة التي عاشت الحرب والحصار، وتفاعلت مباشرة مع المجتمع الفلسطيني، تصبح أكثر ميلا إلى النظر إلى الحركة بوصفها جزءا من القضية الوطنية الفلسطينية، حتى وإن احتفظت بمرجعيتها الإسلامية. ومن هنا يمكن فهم صعود الحية باعتباره، في أحد أبعاده، انتقالا من أولوية  (الحركة الإسلامية)  بمعناها الإقليمي إلى أولوية  (المقاومة الفلسطينية) بوصفها مركز الثقل السياسي والعملي للحركة...  في المقابل، يمثل خالد مشعل المدرسة التقليدية للقيادة الخارجية، وهي المدرسة التي نشأت في بيئات العمل السياسي العربي والإسلامي، واكتسبت خبرة واسعة في إدارة العلاقات الإقليمية والدولية، وفي بناء التوازنات مع العواصم المختلفة. هذه المدرسة لا تتخلى عن خيار المقاومة، لكنها تمنح مساحة أكبر للعمل السياسي والدبلوماسي، وتتعامل مع البيئة الإقليمية باعتبارها ساحة لا تقل أهمية عن ساحة المواجهة العسكرية ...  وهنا يمكن أن يظهر أحد الفوارق الأعمق بين المدرستين. فمدرسة القيادة الخارجية، بحكم طبيعة موقعها، كانت أكثر قدرة على الحركة ضمن شبكة العلاقات الإقليمية التي شملت قطر وتركيا وغيرها من العواصم، كما كانت أكثر التصاقا بالفضاء السياسي الذي تتحرك فيه جماعة الإخوان المسلمين وحركات الإسلام السياسي. أما مدرسة الداخل، فقد أصبحت بفعل الحرب أكثر ارتباطا بمفهوم المقاومة الفلسطينية ذاتها، وبالحاجة إلى تأمين أدوات الصمود والدعم العسكري والسياسي، وهو ما جعل علاقتها بالمحور الذي تقوده إيران أكثر أهمية من السابق ...  ولهذا فإن الفارق بين المدرستين ليس فارقا عقائديا، فكلاهما ينطلق من المرجعية الفكرية نفسها، وإنما هو اختلاف في ترتيب الأولويات وفي أدوات إدارة الصراع... 

وقد يكون من الأدق القول إن الخلاف، إن وجد، لا يدور حول سؤال  ( المقاومة أم السياسة )، وإنما حول سؤال آخر .. من أين تستمد الحركة قوتها، وأين يقع مركز قرارها، وكيف توظف علاقاتها الإقليمية والدولية في خدمة مشروعها الفلسطيني ..؟ 

لقد جاءت الحرب الأخيرة لتعيد صياغة موازين القوى داخل الحركة بصورة غير مسبوقة. ففي ظل المواجهة العسكرية الطويلة، تراجعت أهمية القيادة الخارجية نسبيا، بينما تصاعدت مكانة القيادات التي بقيت داخل غزة، وشاركت بصورة مباشرة في إدارة الحرب وتحمل تبعاتها. ومن هنا فإن صعود خليل الحية لا يعكس فقط مكانته الشخصية، وإنما يعبر عن انتقال مركز الثقل من الخارج إلى الداخل...

وهذا الانتقال من الخارج إلى الداخل يحمل في الوقت نفسه بعدا وطنيا فلسطينيا واضحا. فالحركة التي خاضت حربا طويلة من داخل الأراضي الفلسطينية أصبحت أكثر ميلا إلى تعريف ذاتها من خلال موقعها في الصراع الفلسطيني / الإسرائيلي، لا فقط من خلال انتمائها إلى شبكة الإسلام السياسي الإقليمي. وبذلك يمكن النظر إلى انتخاب الحية باعتباره تعبيرا عن صعود (الفلسطيني )  على حساب  ( لعابر للحدود ) ، أو على الأقل عن إعادة ترتيب العلاقة بين البعدين بحيث يصبح الوطني الفلسطيني و المركز، بينما تتحول الروابط الإقليمية إلى أدوات مساندة لا إلى مصادر مستقلة لصناعة القرار... 

هذا التحول يحمل دلالة تنظيمية مهمة، مفادها أن الشرعية داخل حماس أصبحت ترتبط بدرجة أكبر بالمشاركة الفعلية في المواجهة، لا بمجرد الخبرة السياسية أو التاريخ التنظيمي. فالحركة التي تعيش حربا وجودية تميل بطبيعتها إلى تقديم القيادات المرتبطة بالميدان على القيادات المرتبطة بالتمثيل السياسي الخارجي. .. ومن هذه الزاوية، فإن انتخاب الحية يمكن أن يقرأ باعتباره انتصارا لمدرسة ترى أن الشرعية السياسية تستمد من القدرة على الصمود والمقاومة، وأن القيادة التي تواجه الحرب في الداخل تمتلك شرعية مختلفة عن قيادة تدير العلاقات من الخارج. وهذا لا يعني إلغاء دور الخارج، لكنه يعني أن الخارج لم يعد، بالضرورة، هو المكان الذي تتحدد فيه الأولويات.. كما أن انتخاب الحية يبعث برسالة داخلية تؤكد أن المؤسسة السياسية لن تنفصل عن المؤسسة العسكرية، وأن أي محاولة لإحداث مسافة بين القرارين ليست مطروحة في المرحلة الحالية. بل إن الاتجاه العام يبدو أقرب إلى مزيد من الاندماج بين المستويين السياسي والعسكري، بحيث يصبح المكتب السياسي أكثر التصاقا بحسابات الميدان من أي وقت مضى ...  وفي هذا السياق، فإن صعود الحية قد يعكس أيضا تموضعا جديدا في شبكة العلاقات الإقليمية للحركة. فالمقاومة في غزة، بحكم طبيعة الحرب، أصبحت أكثر اعتمادا على شبكة الدعم التي ارتبطت تاريخيا بإيران وحلفائها، بينما تراجعت قدرة العواصم الأخرى على التأثير المباشر في مسار المواجهة. ومن ثم فإن صعود تيار الداخل قد يعني، بصورة غير مباشرة، تعزيز موقع العلاقة مع إيران ومحور المقاومة، ليس بالضرورة من منطلق اصطفاف مذهبي أو أيديولوجي، وإنما من منطلق حسابات عملية فرضتها طبيعة الصراع واحتياجاته...  في المقابل، فإن خسارة خالد مشعل في هذا الاستحقاق تعكس تراجعا نسبيا لنفوذ مدرسة الخارج، وليس بالضرورة تراجعا لمكانته الشخصية. فالرجل لا يزال يمتلك حضورا سياسيا وإقليميا واسعا، لكنه يمثل مرحلة كانت فيها الحركة تعتمد بصورة أكبر على شبكاتها الخارجية، وعلى القدرة على إدارة التوازنات بين العواصم الإقليمية، وفي مقدمتها قطر وتركيا، بينما تبدو المرحلة الراهنة محكومة بمنطق مختلف، عنوانه أن مركز القرار الحقيقي يوجد حيث تدور المعركة...  ولا يعني ذلك أن مشعل يمثل بالضرورة  ( تيار قطر وتركيا ) بالمعنى التنظيمي المباشر، كما أن الحية لا يمكن اختزاله في كونه ممثلا حصريا لـ (تيار إيران ) . لكن المقارنة بين الرجلين تكشف اختلافا في البيئة السياسية التي ينتميان إليها، وفي نوع العلاقات التي راكماها، وفي الأدوات التي يمتلكها كل منهما. ولذلك فإن خسارة مشعل قد تكون مؤشرا على تراجع الوزن النسبي للمدرسة التي تراهن على شبكة العلاقات الإقليمية والدبلوماسية، مقابل صعود مدرسة أكثر التصاقا بالميدان وبالمقاومة المسلحة وبالدعم الذي وفرته بيئة إقليمية يقف فيها المحور الإيراني في موقع متقدم...

ولا يمكن فصل هذا التحول عن التغيرات الإقليمية. فحماس تدرك أن البيئة العربية لم تعد تمنح القيادة الخارجية هامشا واسعا للحركة كما كان الحال في العقدين الماضيين، في حين أن الحرب أعادت الاعتبار للقيادة الموجودة في الداخل باعتبارها صاحبة القرار التنفيذي الحقيقي... 
كما أن تجربة الحرب أظهرت حدود الرهان على الدبلوماسية الإقليمية وحدها. فالوسطاء قادرون على فتح قنوات التفاوض، وإدارة الاتصالات، وتقديم المبادرات، لكنهم لا يملكون بالضرورة القدرة على فرض نتائج سياسية على الأرض. وفي المقابل، فإن الجهات التي وفرت دعما عسكريا وتقنيا ولوجستيا للمقاومة أصبحت، في نظر قيادة الداخل، جزءا من معادلة الصراع لا مجرد أطراف سياسية خارجية... 

ومن الناحية الفكرية، فإن انتخاب الحية يعكس صعود ما يمكن تسميته بـ (الواقعية القتالية). وهي مقاربة تجمع بين التشدد في الثوابت والمرونة في التكتيكات، لكنها تنطلق من فرضية أن أي مسار سياسي مستقبلي لن يكون ممكنا إلا انطلاقا من نتائج الميدان، وليس العكس. ولذلك فإن هذه المدرسة لا ترفض التفاوض من حيث المبدأ، لكنها تعتبره أداة تالية للقوة، وليس بديلا عنها...  ويمكن إضافة بعد آخر إلى هذه  ( الواقعية القتالية ) ، وهو أنها أكثر فلسطينية في تعريف مصالح الحركة. فالحركة لا تتعامل مع علاقاتها الإقليمية بوصفها غاية في حد ذاتها، وإنما باعتبارها وسائل لخدمة مشروعها في فلسطين. وفي هذا المعنى، فإن تعزيز العلاقة مع إيران لا يعني بالضرورة ذوبان القرار الفلسطيني في القرار الإيراني، كما أن الحفاظ على العلاقات مع قطر وتركيا لا يعني بالضرورة تبعية الحركة لهما. المسألة، في جوهرها، هي أي محور إقليمي يوفر للحركة هامشا أكبر للحركة، وأي علاقة تخدم أولوياتها في المرحلة الراهنة... 

في المقابل، كانت مدرسة خالد مشعل تميل إلى اعتبار السياسة والمقاومة مسارين متوازيين، يمكن لكل منهما أن يوسع هامش الآخر، وأن يمنح الحركة فرصا إضافية للمناورة الإقليمية والدولية... 

هذه المقاربة كانت أكثر انسجاما مع مرحلة كانت فيها حماس بحاجة إلى الاعتراف السياسي، وإلى بناء قنوات اتصال واسعة مع الدول العربية والإسلامية، وإلى إدارة علاقتها مع القوى الإقليمية المختلفة. أما بعد الحرب، فقد أصبح السؤال مختلفا ... كيف تحافظ الحركة على قدرتها على الصمود، وكيف تضمن استمرار أدوات المقاومة، وكيف تمنع تحولها إلى طرف سياسي منزوع القدرة على التأثير.. ؟ ومن هنا قد يكون انتخاب الحية انعكاسا لتحول من (دبلوماسية التوازنات ) إلى (سياسة الميدان ) ، ومن محاولة الحفاظ على مسافة متساوية بين المحاور إلى اعتماد أكبر على الجهات التي أثبتت، في نظر قيادة الحركة، قدرتها على توفير الدعم في لحظة الحرب... 

وفي البعد الاستراتيجي، يمكن النظر إلى انتخاب الحية باعتباره رسالة موجهة إلى عدة أطراف في آن واحد. فهو رسالة إلى قواعد الحركة بأن القيادة الجديدة ستبقى وفية لنهج المقاومة، ورسالة إلى الاحتلال بأن الحرب لم تؤد إلى تفكيك البنية القيادية للحركة، ورسالة إلى الوسطاء الإقليميين بأن القرار السياسي بات أكثر ارتباطا بقيادة الداخل، وأن أي ترتيبات مستقبلية ستحتاج إلى التعامل مع هذه الحقيقة...  وهو في الوقت نفسه رسالة إلى الإقليم بأن حماس، حتى وهي تحافظ على علاقاتها المختلفة، قد تكون في طريقها إلى إعادة تعريف أولوياتها. فالعلاقة مع قطر وتركيا ستظل مهمة بحكم الموقع السياسي والدبلوماسي، لكن العلاقة مع إيران ومحور المقاومة قد تكتسب وزنا أكبر بحكم الدور الذي لعبته في دعم بنية المقاومة. وبذلك قد لا يكون التحول انتقالا من محور إلى محور بقدر ما هو إعادة توزيع للأوزان داخل شبكة العلاقات الخارجية للحركة... 

غير أن ذلك لا يعني أن حماس تتجه نحو إقصاء المدرسة السياسية التقليدية، بقدر ما يعني أن ميزان النفوذ داخلها قد تغير بفعل الحرب. فالقيادات الخارجية ستظل ضرورة بحكم طبيعة العلاقات الدولية، لكن دورها قد يصبح أكثر ارتباطا بتنفيذ الخيارات التي ترسمها قيادة الداخل، لا العكس... وهنا تحديدا تكمن أهمية انتخاب الحية. فإذا كانت المرحلة السابقة قد سمحت للقيادة الخارجية بأن تكون واجهة الحركة السياسية، فإن المرحلة الجديدة قد تجعل القيادة الخارجية في موقع أكثر ارتباطا بالمركز الفلسطيني الداخلي. أي أن الخارج لن يختفي، لكنه قد يتحول من مركز لصناعة القرار إلى ذراع دبلوماسية لتنفيذ قرار يتشكل بدرجة أكبر في الداخل... 
وفي المحصلة، فإن انتخاب خليل الحية لا يمثل مجرد تغيير في أسماء القادة، وإنما يعبر عن إعادة تعريف لمركز الثقل داخل الحركة. إنه إعلان بأن مرحلة ما بعد الحرب ستدار بعقل تشكل في قلب المعركة، وأن القيادة التي دفعت أثمان المواجهة هي التي ستتولى رسم ملامح المرحلة المقبلة... وبذلك يمكن القول إن حماس لم تنتخب شخصا بقدر ما انتخبت مدرسة كاملة ، مدرسة ترى أن السياسة تستمد قوتها من الميدان، وأن شرعية القيادة تقاس بقدرتها على إدارة الصراع، لا فقط بقدرتها على إدارة العلاقات...  وربما يكون الأهم أن هذه المدرسة تحمل، في أحد أبعادها، ملامح تحول من ( الإخوانية السياسية ) بمعناها الإقليمي الواسع إلى (الوطنية الفلسطينية )  بمعناها المقاوم. أي أن الحركة، من دون أن تتخلى عن جذورها الإسلامية أو عن امتدادها الإقليمي، أصبحت أكثر ميلا إلى تقديم القضية الفلسطينية باعتبارها مركز هويتها السياسية، وإلى التعامل مع علاقاتها الخارجية من منظور ما تقدمه للمشروع الفلسطيني، لا من منظور الانتماء إلى محور أيديولوجي بعينه... وعلى هذا الأساس، يمكن فهم صعود الحية بوصفه تقاطعا بين ثلاثة تحولات متزامنة .. صعود الداخل على حساب الخارج، وصعود الميدان على حساب الدبلوماسية، وصعود الأولوية الوطنية الفلسطينية على حساب الاعتبارات التنظيمية العابرة للحدود.

أما على مستوى العلاقات الإقليمية، فقد يكون التحول أكثر دقة .. ليس انتقالا كاملا من قطر وتركيا إلى إيران، وإنما انتقالا من مرحلة كانت فيها شبكة العلاقات السياسية والدبلوماسية الخارجية أكثر تأثيرا في صناعة القرار، إلى مرحلة أصبحت فيها علاقات الدعم العسكري والمقاوم أكثر أهمية. وفي هذا المعنى، فإن صعود الحية قد يمثل، بصورة غير مباشرة، تعزيز موقع التيار الأكثر قربا من محور إيران والمقاومة، مقابل تراجع نسبي في الوزن السياسي للمدرسة المرتبطة بشبكة قطر وتركيا، من دون أن يعني ذلك القطيعة مع أي من الطرفين...  وفي النهاية، فإن السؤال الحقيقي الذي يطرحه انتخاب خليل الحية ليس فقط.. من يقود حماس؟ بل .. أي حماس ستقود المرحلة المقبلة..؟  حماس أكثر فلسطينية في تعريف ذاتها، أم حماس أكثر ارتباطا بشبكة الإسلام السياسي الإقليمي؟ حماس تجعل من الميدان مصدر شرعيتها السياسية، أم حماس تعطي الدبلوماسية وزنا موازيا للمقاومة؟ حماس تعتمد على شبكة علاقات واسعة ومتوازنة مع قطر وتركيا وغيرها، أم حماس تعزز تموضعها في محور المقاومة الذي تقوده إيران؟ ..  قد لا تكون الإجابة محسومة بصورة نهائية، لكن المؤكد أن الحرب أعادت ترتيب هذه الأسئلة داخل الحركة. وانتخاب الحية يبدو، في هذا السياق، أقرب إلى تعبير عن مرحلة جديدة تتقدم فيها  ( الوطنية الفلسطينية المقاومة)  إلى مركز المشهد، بينما يعاد تعريف الإسلام السياسي والعلاقات الإقليمية، بما فيها العلاقة مع إيران وقطر وتركيا، باعتبارها أدوات في خدمة القرار الفلسطيني، لا بدائل عنه ... 
وبذلك فإن انتخاب خليل الحية قد لا يكون انتصارا لشخص على حساب شخص، بقدر ما هو انتصار لبيئة سياسية وتنظيمية تشكلت في قلب الحرب. بيئة تقول إن مركز القرار يجب أن يكون حيث توجد القضية، وإن شرعية القيادة يجب أن تتأسس على علاقتها بالميدان، وإن العلاقات الخارجية، مهما كانت أهميتها، لا ينبغي أن تتقدم على الأولوية الفلسطينية... ومن هذه الزاوية، فإن صعود الحية يمكن أن يمثل بداية إعادة تموضع تاريخية داخل حماس .. من الخارج إلى الداخل، ومن الدبلوماسية إلى الميدان، ومن أولوية الشبكات الإقليمية إلى أولوية القضية الفلسطينية، ومن التوازن بين المحاور إلى إعادة ترتيبها وفق ما تفرضه ضرورات المقاومة. وفي حال ترسخ هذا الاتجاه، فإن مرحلة ما بعد الحرب قد تشهد حركة أكثر التصاقا بالداخل الفلسطيني، وأكثر اعتمادا على منطق المقاومة، وأكثر قربا من المحور الإيراني في أدوات الصراع، مع إبقاء قنواتها السياسية مفتوحة مع قطر وتركيا وسائر الأطراف الإقليمية...  وعندها، يصبح انتخاب خليل الحية ليس مجرد استحقاق تنظيمي، بل لحظة كاشفة عن سؤال أعمق يتعلق بمستقبل حماس نفسها .. هل ستبقى حركة إسلامية فلسطينية تتحرك داخل فضاء الإخوان المسلمين الإقليمي، أم ستتجه أكثر فأكثر إلى التحول إلى حركة مقاومة وطنية فلسطينية ذات مرجعية إسلامية، توظف علاقاتها الإقليمية، بما فيها علاقتها بإيران وقطر وتركيا، وفقا لمقتضيات مشروعها الفلسطيني..؟  ربما يكون هذا هو المعنى الأعمق لصعود الحية .. أن الحرب لم تغير فقط أسماء القادة، بل أعادت تعريف مركز الثقل داخل الحركة، ودفعت إلى الواجهة جيلا تشكل وعيه في قلب فلسطين، وفي قلب الصراع، وفي قلب المقاومة؛ جيلا يرى أن مستقبل الحركة لن تحدده العواصم التي تستضيف قياداتها، بقدر ما ستحدده قدرتها على البقاء والتأثير في المكان الذي بدأت منه قضيتها.
 

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر وكالة صدى نيوز.