هل من السهل اجراء الانتخابات الفلسطينية ؟ وما المطلوب ؟
ماذا بعد أن أصدر الرئيس محمود عباس، الخميس الماضي مرسوما رئاسيا يُحدد فيه يوم السبت الموافق الثامن والعشرين من تشرين ثاني ( نوفمبر) ، موعدا لإجراء الانتخابات التشريعية ؟ فهل هذه هي كل الحكاية ؟ وهل من السهل حقا اجراء انتخابات تشريعية ، في الوقت الذي تعيشه الاراضي الفلسطينية من اوضاع اشبه بالفوضى بشتى الاتجاهات ، وفي مقدمتها الفوضى التشريعية ، خاصة حين تعطلت الحياة التشريعية منذ الانقسام السياسي والجغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة عام 2007 ، ومنذ ذلك الوقت لم ينعقد المجلس بحجة عدم اكتمال القانوني ، الى ان اصدر الرئيس محمود عباس قرارا بحل المجلس رسميا في 22 كانون الأول (ديسمبر) من العام 2018 ، استناداً إلى قرار صادر عن المحكمة الدستورية العليا ، مع الدعوة لإجراء انتخابات تشريعية جديدة ، وحلت مكانها المراسيم الرئاسية .
الانتخابات اي كانت ، حق دستوري ، وأداة اساسية في التغيير وتجديد الشرعيات ، ولكن في الحالة الفلسطينية هناك العديد من المُعيقات ، منها ما فرضته سلطات الاحتلال من واقع بحكم القوة ، ومنها ما جاء جراء السياسة الفلسطينية التي ما زالت تُراهن على مجتمع دولي يطالبها بالتغيير وتجديد الشرعيات ، وفي المقابل عاجز عن الضغط على سلطات الاحتلال للالتزام بالاتفاقيات ذات الشأن ، وفي مقدمتها القدس التي تمنع فيها سلطات الاحتلال اقامة اي نشاط فلسطيني ، وترفض بشكل قطعي اي وجود رسمي فلسطيني فيها ، خاصة بعد انتزاع اعتراف امريكي ابان ولاية الرئيس ترامب الاولى عام 2017 بانها عاصمة لاسرائيل ، وتبعها مدينة الخليل التي فرضت عليها سلطات الاحتلال قوانين جديدة تتعلق بسحب صلاحيات التخطيط والبناء من بلدية الخليل ونقلها إلى ما يسمى للإدارة المدنية ، وذلك كأول تطبيق احتلالي عملي لإنهاء العمل باتفاقية الخليل لعام 1997 ، وتأسيس كيان بلدي استيطاني منفصل لإدارة شؤون المستوطنين والمواقع التاريخية والدينية ، بما فيها محيط الحرم الإبراهيمي الشريف ، وخطوات استيطانية اخرى تعتبر الغاءا لبروتوكول الخليل الذي قسّم المدينة إلى منطقتين H1: الخاضعة لسيطرة فلسطينية ، وH2 الخاضعة لسيطرة أمنية إسرائيلية ، وتهدف هذه الإجراءات احادية الجانب إلى سحب الغطاء الإداري الفلسطيني تماماً عن المناطق المتبقية من المدينة ، ورافق ذلك سيطرة ميدانية اسرائيلية على الارض ، في خطوة تسابق فيها سلطات الاحتلال الزمن لضم اجزاء واسعة " مُشرعنة " بقوانين تستصدرها الحكومة اليمينية المتطرفة مما يسمى ( الكنيست) ، من الضفة الغربية ، سبقها حصار مُطبق ، من خلال حواجز عسكرية اذلالية وبوابات حديدة ، ما حد من تنقلات الفلسطينيين بين مدنهم وقراهم ، وأثر سلبا على الجوانب الحياتية المختلفة ، وحملات الاعتقال الواسعة التي تُنفذها بحق ابناء الشعب الفلسطيني ، وإطلاق العنان للمستوطنين المتطرفين ، يمارسون شتى اشكال العربدة والتخريب والتدمير للمُقدرات الفلسطينية ، تترافق وحصار مالي مطبق من خلال احتجاز الاموال الفلسطينية .
اما قطاع غزة الذي ينزف منذ تشرين اول ( اكتوبر) 2023 ، فتلك حكاية اخرى ، حيث مئات الالاف من سكانه باتوا بلا مستندات شخصية ، وعشرات الاف مُسحوا من السجل المدني بعد استشهادهم ، ناهيك عن عدم توفر اماكن انتخابية ملائمة لاجراء العملية الانتخابية بعد تدمير اكثر من 80 بالمئة من المنشأت والمؤسسات والمساكن !! وكل ذلك دون اي رد فعل مساو بالحجم والمقدار من الجانب الرسمي الفلسطيني .
النظام الرسمي الفلسطيني يقود المرحلة من فشل الى فشل ، وبات عاجزا عن تلبية حتى الاحتياجات المُلحة في مقدمتها رواتب القطاع العام المجتزئة ، وفشل في مواجهة التصعيد الاسرائيلي الرسمي وقطعان المستوطنين ، وفشا ايضا في معالجة إرتفاع نسبة البطالة جراء حرمان الايدي العاملة الفلسطينية من اسواق العمل الاسرائيلية ، فهل حقا من السهل اجراء انتخابات شفافة ونزيهه وسط حالة فلسطينية بالغة الصعوبة والتعقيد ؟
بالرغم من تعطش غالبية ابناء الشعب العربي الفلسطيني لاجراء انتخابات تشريعية ، من شانها ان تُنظم حياتهم المدنية التي تسودها فوضى ولدت حالة من فقدان الثقة بين القاعدة والقيادة ، وما زاد الطين بلة ، تفاقم الفساد وسياسة الاقصاء والتهميش التي تُمارسها القيادة المُتنفذة بحق الكفاءات التنظيمية والوطنية والتاريخية والمهنية ، واستبدالها بالمحسوبيات والتعينات المُفصلة على مقاس ( عظام الرقبة ) ، ناهيك عن التاجيلات المُتكررة للانتخابات ، واللافت للنظر انه وبالرغم من الفشل والعجز، الا ان المُتنفذين بالسلطة ، ما زالوا متمسكين بتبوء المواقع القيادية ، من دون ادنى اهتمام بالشأن العام ، الامر الذي زاد من اتساع الفجوة بين القيادة والشعب .
اذا كانت القيادة الفلسطينية حقا جادة في اجراء انتخابات تشريعية وبرلمانية لدولة فلسطين ، فلا بد من خطوات عملية حقيقية تضمن ازالة المُعيقات الخارجية والداخلية ، ومن ثم الشفافية والنزاهة !! ولكن كيف ؟
على الصعيد الخارجي : لا بد من البدء بممارسة الضغوط على المجتمع الدولي والعربي الذي يطالبها باجراء انتخابات وتجديد الشرعيات ولكنه ما زال عاجزا حتى اللحظة عن ارغام سلطات الاحتلال تسهيل الامر والالتزام بالاتفاقيات ، ومن هنا لا بد من ارغامه على تحمل مسؤولياته السياسية والاخلاقية ، والضغط باتجاه منح الفلسطينيين الحق الكامل في اجراء الانتخابات في مدينة القدس وفق الاتفاقيات السابقة ، القيادة مُطالبة بوضع خطة وطنية ودبلوماسية ضاغطة لضمان مشاركة المقدسيين تصويتاً وترشحاً داخل مدينتهم ، وضمانات بعدم ملاحقتهم او اعتقالهم ، وإزالة أي عراقيل إسرائيلية محتملة من شأنها ان تعطل العملية الانتخابية ، والعمل على الغاء كافة الاجراءات الاسرائيلية احادية الجانب في الخليل وانحاء الضفة الغربية ، ومنح الفلسطينيين من مرشحين وجماهير الحرية الكاملة في التنقل وممارسة حقهم الديموقراطي ، وانتزاع ضمانات باجراءها في قطاع غزة ، دون اي تدخلات اسرائيلية ، لاجل توفير بيئة ملائمة ، يُرافق ذلك اشتراطات فلسطينية بان تكون الانتخابات على مرحلتين : الاولى في القدس والخليل وقطاع غزة ، وتحت إشراف المجتمع الدولي وهيئاته ذات الاختصاص ، فان نجحت ولم تواجه اية مُعيقات ، تُستكمل في اليوم التالي بانحاء الضفة الغربية .
داخليا : الشروع بحوار وطني وشعبي شامل يجري فيه تغليب المصلحة الوطنية العليا لابناء الشعب العربي الفلسطيني على المصالح الفئوية والذاتية ، ورفد ذلك بادوات وطنية جديدة تحظى بثقة شعبية واسعة ، تُعزز من فرص اقبال الناس على العملية الانتخابية ، مع الحرص على اختيار اعضاء من ذوي الخبرة والكفاءة المهنية والوطنية ، وذوي الصيت الذائع بالسمعة الطيبة والعمل المجتمعي ، فمن دون شك ستكون باكورة التغيير ، وربما تعمل على اعادة بث الروح من جديد في نفوس الشعب ، وما زال هناك مُتسع من الوقت ، للتحضير الجيد لاجل ترميم التصدع الحاصل حاليا ، وقبل اي شي ، على جميع فئات الشعب وضع الخلافات جانبا ، والنظر الى ما يخدم المصلحة الوطنية العليا بعد الاتفاق على تعريفها ، وأن لا يغيب عن البال مدى حساسية المرحلة التي تعيشها فلسطين ، وخطورتها التي تستهدف وتُهدد الوجود الفلسطيني والقضية الفلسطينية برمتها .
الفلسطينيون يعيشون حالة من الفراغ القانوني والدستوري ، ولعل ذلك احد الاسباب الرئيسية لما يُحيط بالشعب العربي الفلسطيني من اوضاع مزرية ، لذلك حان الوقت لوقف النزيف والعودة الى الشعب من اجل تفويض جديد ، فالانتخابات ليست هدفا بحد ذاته ، بقدر ما هي دعامة اساسية وضرورة مُلحة لتأسيس نظام حكم رشيد ، يؤمن حياة كريمة ولو بحدها الادنى لكافة شرائح المجتمع ، ويُعزز من الصمود وصولا الى الحرية والاستقلال .
التجارة الإلكترونية في فلسطين: فرصة للبقاء الاقتصادي أم عبء تنظيمي قد يهدد المشاريع الناشئ...
من أوهام التسوية إلى استحقاقات التحرر ..
في هذا الوطن… لا يخيفني الطغاة
الانتصار الآخر...
الحكومة وإدارة الحكم الانتقالي في قطاع غزة
تموز الأسود.. يعود أكثر سواداً ..بين الذكرى الثالثة لرحيل والدي ووداع ماهر يونس
تنشيط الذاكرة الوطنية الفلسطينية






