حركة فتح بين الولاء الفردي والانتماء الوطني والالتزام التنظيمي
مقالات

حركة فتح بين الولاء الفردي والانتماء الوطني والالتزام التنظيمي

 أما بعد، وقد انهت حركة فتح مؤتمرها الثامن ، وفاز من فاز وخسر من خسر ، وبصرف النظر عن التحفظات الشخصية لدى البعض على مجريات المؤتمر والنتائج والاليات التي اعتُمدت لاخراجها ، والتي بطبيعة الحال لاقت ترحابا واسعا من الفائزين ، وزادت من حدة الاحتقان لدى غالبية الخاسرين ، وهو ما قد يتسبب بارتدادات خطيرة ، ان لم يستدركها اعضاء اللجنة المركزية والمجلس الثوري الجُدد والمتجددين ، فانها ستتراكم وتتدحرج ككرة الثلج تجرف الجميع في طريقها ، خاصة وان الانتخابات التشريعية قادمة في تشرين الثاني القادم حسبما أعلن الرئيس محمود عباس في كلمته الافتتاحية للمؤتمر. 

من دون شك ، إن كانت حركة فتح قوية ومتماسكة ، فإن الفصائل الفلسطينية الوطنية ستكون قوية ، وبالتالي فإن منظمة التحرير الفلسطينية ، كممثل شرعي وحيد للشعب العربي الفلسطيني ستكون قوية ، صحيح ان التيارات المحيطة اقليميا وعربيا ودوليا تسير حاليا عكس عقارب الساعة الفلسطينية ، الا ان عدالة القضية الفلسطينية تفرض ذاتها ومركزيتها وتجعلها تتصدر سلم الاوليات بالرغم من التذبذب الجاري حاليا ، والذي يعود لاسباب مختلفة في غالبيتها يتحملها الأداء السياسي الفلسطيني .

مقياس قوة اي حركة او حزب او فصيل لا بُقاس بانتخاباته الداخلية ، انما بانتخابات عامة يُشارك بها غالبية افراد الشعب باختلاف ولائاتهم وانتمائاتهم ، ومن هنا فان حركة فتح والتي كانت تُعتبر العمود الفقري لمنظمة التحرير الفلسطينية ، وحامية المشروع الوطني ، الذي تبنته ، والقائم على بناء دولة فلسطينية مستقلة في حدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية ، ولكن وكعادتها ، ومع تزايد ملحوظ جراء الترهل الذي دك الحركة بعد رحيل الشهيد الرمز ياسر عرفات وانفصال الجغرافيا الفلسطينية المستمر، بعد استيلاء حركة حماس على قطاع غزة عام 2007 ، والفساد الذي نخر عظام كثير من قادتها واعضائها ، تواجه الحركة تحديات بنيوية متزايدة بين الولاء الفردي ، والانتماء الوطني والالتزام التنظيمي. 

كثير من المراقبين والمتابعين والمتخصصين بشؤون حركة فتح ، يرون ان ما يجري حاليا في الحركة هو مجرد ولاء لافراد متنفذين ، لا ولاء او التزام تنظيمي للحركة ، وتغليب المصالح الشخصية والفئوية على حساب المصلحة التنظيمية الفتحاوية والمصلحة الوطنية العليا ، وذلك جراء اختراق عضوية الحركة بمنتفعين ومرتزقة ، واستبعاد وتهميش العدد الاكبر من الكادر التنظيمي الذي يدين بولاءه لفلسطين وحركة فتح ، وغير راضي عن ما آلت اليه الحركة من اوضاع متردية ، وهو ما أثر سلبا على شعبيتها في الشارع الفلسطيني الذي فقد الثقة بها ، وبدى ذلك جليا في الانتخابات التشريعية عام 2006 ، والتي فازت بها حركة حماس ، وهو ما دفع الرئيس محمود عباس الى تأجيل الانتخابات التي كانت من المقرر اجراءها في ايار 2021 الى أجل غير مُسمى في حينه ، متذرعا برفض الاسرائيليين اجراءها بمدبنة القدس ، فيما السبب الرئيس وراء تأجيلها هو الاختلافات والانقسامات التي دكت الحركة في حينها ، ما ولد تأكيدات على خسارة مدوية للحركة حال اجراء هذا الانتخابات . 

الكادر الاكبر في حركة فتح ، يُشدد على وجوب الولاء لفلسطين وفتح والثوابت الوطنية ككل ، لا للافراد او قادة معينيين ، مع ضرورة تعزيز عضوية الحركة على أُسس الانتماء والالتزام الوطني والتنظيمي بناءً على الكفاءة والنزاهة والعمق التاريخي والنضالي والثقافي والوطني للاعضاء . 

ومن هنا ، ولاستدراك المخاطر المُحدقة بحركة فتح ، وارتدادات المؤتمر الثامن وتأثيراتها على المرحلة المُقبلة ، فإن مؤسسات الحركة ، وفي مقدمتها اللجنة المركزية والمجلس الثوري المُتجددين والجُدد ، أمام مسؤوليات جسام ، فإما ان تكون الحركة وتستعيد شعبيتها وثقة الجماهير العريضة بها ، وإما ان لا تكون ، وتزيد من حدة التشرذم في صفوفها ، وبالتالي تُلهب شهية المتهافتين من عجم وعرب على الانقضاض على المشروع الوطني وإنهاء القضية الفلسطينية . لذلك على الحركة ، ان توفرت الارادة الحقيقية واستقلالية القرار، البدء بالعمل على عدة محاور : 

1 . المحور الداخلي التنظيمي : توحيد صفوف الحركة وترتيب البيت الداخلي ونبذ الخلافات الداخلية وإعادة الاعتبار الى المُهمشين و" الحردانين " وجمع الشمل الفتحاوي داخل الارض المحتلة وخارجها في تيار واحد ، يكون ولاءه الوحيد لفلسطين والحركة . واجراء مراجعة شاملة لاوضاع الحركة . فلم يعد سرا القول أن هناك حاليا تيارات عدة في الحركة مختلفة وتتجاذب مع بعضها البعض الى درجة الصدام المُؤجل ، إن لم يتم التدارك السريع ، وليكن الشعار الجامع " فتح أم الجماهير " ، وربما نتائج انتخابات اللجنة المركزية حملت رسائل عدة ، من ابرزها تيار الاخ القائد الاسير مروان البرغوثي الذي اكتسح الاصوات ، وفوز اسيرين محررين ما يعني التمسك بقضية الاسرى والشهداء الذين جرى استهدافهم مؤخرا بوقف رواتبهم دون تقديم بديل فيه كرامة وتقدير لنضالاتهم . 
ويرى مراقبون ان الأسماء الواردة في سجل الناجحين من المجلس الثوري ، يتضمن مجموعة لا بأس بها من المناضلين الذين إن توفرت الإرادة الوطنية لدى قيادة الحركة بالعمل ، ومنحهم هامش واسع للعمل ، فسيكون لهم دور بارز في استمالة الرأي العام الفلسطيني واستعادة الثقة الشعبية بالحركة . 

2 . محور قطاع غزة : استعادة اللحمة الجغرافية مع قطاع غزة ، والشروع بمصالحة وطنية مهما بلغ الثمن مع جميع الفصائل الوطنية والاسلامية ، حتى لو أدى الامر الى تنازلات قد تكون مؤلمة لكنها تصب في خانة المصلحة الوطنية العليا من جميع الاطراف ، دون المساس بمصلحة الشعب العربي الفلسطيني ، تحت شعار: " فلسطين تجمع الجميع " .   

3 . محور السلطة الوطنية : الفصل في الادوار بين الاطار السلطوي والاطار التنظيمي ، وإنهاء التداخل بين مؤسسات فتح وأجهزتها البيروقراطية السطلوية ، والتي عادت بالضررعلى حركة فتح ، وخاصة رئاسة السلطة ورئاسة فتح ، ما من شأنه ان يُعرقل منح الامتيازات مقابل الولاء، ويُبعد الضرر عن تداخل مواقف السطلة التي تضطر احيانا لمحاباة الاحتلال واطراف اقليمية ودولية ، ما سيُتيح للحركة هامش اوسع للعمل ، وتُخلصها من تحمل النتائج السلبية لسياسات السلطة ، والانخراط مجدداً في العمل الشعبي والنضالي ، ما سيعمل من كل بد الى استعادة ثقة الجماهير بالحركة وقياداتها ، ويُعزز من موقفها في الشارع .  

4 . المحور العربي والدولي : على حركة فتح استعادة اعتبارها وسط الاحزاب العربية والدولية واعادة التشبيك معها ومع حركات التحرر العالمية ، واستعادة ثقتهم التي اهتزت مؤخرا ، لتعزيز الدعم للنضال الفلسطيني وبما يخدم حقوق الشعب العربي الفلسطيني في الحرية والاستقلال .

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر وكالة صدى نيوز.