بين البراغماتية وإدارة البقاء: إلى أين تتجه حماس بعد انتخاب خليل الحية؟
لم تعد السياسة الفلسطينية تحتمل القراءات السطحية أو الأحكام السريعة. فما يجري اليوم ليس مجرد تبدل في الأسماء داخل الفصائل، بل هو انعكاس لتحولات عميقة فرضتها الحرب، والخسائر الإنسانية، والتغيرات الإقليمية والدولية. ومن هذا المنطلق، فإن انتخاب خليل الحية لقيادة حركة حماس يطرح سؤالًا مشروعًا: هل نحن أمام تغيير في النهج، أم مجرد تغيير في الأشخاص؟
عند قراءة مسار حركة حماس خلال السنوات الأخيرة، يتضح أن الحركة انتقلت تدريجيًا من مرحلة التركيز على إدارة الصراع إلى مرحلة إدارة البقاء. فالحرب الأخيرة في قطاع غزة خلقت واقعًا غير مسبوق؛ دمار واسع، وأزمة إنسانية خانقة، وضغوط سياسية وأمنية، وأسئلة مصيرية حول مستقبل القطاع وموقع الحركة فيه.
في مثل هذه الظروف، يصبح الحفاظ على الوجود السياسي والتنظيمي هدفًا لا يقل أهمية عن إدارة المواجهة العسكرية. لذلك، يبدو أن الحركة تتجه نحو قدر أكبر من البراغماتية السياسية، دون أن تعلن تخليها عن خطابها التقليدي أو عن رؤيتها للمقاومة. فالبراغماتية هنا ليست تنازلًا بالضرورة، وإنما محاولة للتكيف مع واقع جديد فرضته موازين القوى.
ولا ينبغي النظر إلى انتخاب خليل الحية باعتباره تحولًا جذريًا في سياسة الحركة. فحماس ليست تنظيمًا يقوم على القرار الفردي، بل تعتمد على مؤسسات قيادية وآليات شورى داخلية تحدد توجهاتها العامة. ومع ذلك، فإن اختيار شخصية لها حضور سياسي وخبرة طويلة في ملفات التفاوض والعلاقات مع الوسطاء قد يعكس رغبة في إعطاء مساحة أكبر للأدوات السياسية والدبلوماسية خلال المرحلة المقبلة.
قد يكون الملف الأكثر إلحاحًا أمام القيادة الجديدة هو كيفية الانتقال من مرحلة الحرب إلى مرحلة إدارة تداعياتها؛ بدءًا من وقف إطلاق النار، مرورًا بملف الأسرى، ووصولًا إلى إعادة الإعمار وترتيبات الحكم في غزة. وهذه الملفات تحتاج إلى مهارات تفاوضية وقدرة على التعامل مع أطراف إقليمية ودولية متعددة، بقدر ما تحتاج إلى خطاب سياسي قادر على مخاطبة الداخل والخارج معًا.
لكن من الخطأ الاعتقاد بأن تغيير قيادة الحركة وحده سيغير واقع قطاع غزة. فمستقبل القطاع يرتبط بعوامل أكبر من أي فصيل فلسطيني؛ منها طبيعة السياسة الإسرائيلية، والموقف الأمريكي، ودور الوسطاء الإقليميين، ومستقبل النظام السياسي الفلسطيني، وإمكانية التوصل إلى صيغة توافقية لإدارة المرحلة المقبلة. ولذلك فإن أي قيادة، مهما كانت، ستظل تتحرك ضمن مساحة محدودة تفرضها البيئة السياسية والأمنية المحيطة.
وربما يكون التحدي الأكبر أمام حماس اليوم ليس فقط كيفية المحافظة على حضورها السياسي، بل كيفية استعادة ثقة مجتمع أنهكته الحرب، وأصبح يبحث عن الأمن والاستقرار وإعادة الإعمار بقدر بحثه عن الشعارات والمواقف السياسية. فالمجتمعات الخارجة من الحروب غالبًا ما تعيد ترتيب أولوياتها، وتصبح أكثر اهتمامًا بتحسين شروط الحياة اليومية، دون أن يعني ذلك بالضرورة التخلي عن قناعاتها الوطنية.
إن المرحلة المقبلة لن تكون اختبارًا لقدرة حماس على المقاومة فقط، بل لقدرتها على التكيف السياسي، وإدارة الأزمات، والموازنة بين الثوابت الوطنية ومتطلبات الواقع. فنجاح أي قيادة لن يُقاس بخطاباتها، بل بقدرتها على تحويل المعاناة إلى فرصة لإعادة بناء الإنسان والمؤسسات، وفتح أفق سياسي يخفف من معاناة الفلسطينيين.
وفي النهاية، فإن انتخاب خليل الحية قد يكون مؤشرًا على تطور في أدوات إدارة الحركة، لكنه لا يعني بالضرورة تغييرًا في جوهر مشروعها السياسي. أما مستقبل غزة، فلن تصنعه شخصية واحدة أو فصيل واحد، بل سيحدده تفاعل معقد بين الإرادة الفلسطينية والبيئة الإقليمية والدولية، وبين القدرة على تجاوز الانقسام وبناء رؤية وطنية جامعة تضع مصلحة الإنسان الفلسطيني في مقدمة الأولويات.
ماذا تعني المصلحة الوطنية العليا فلسطينيا؟ وكيف يمكن تحقيقها؟
رام الله المظلومة
خليل الحية رئيساً لحماس.. استمرار ا لنهج المؤسسين
إبادة الروح الرياضية
إلى متى يدفع المواطن الفلسطيني ثمن مرحلة لا تنتهي؟
خليل الحية على رأس حماس.. صعود الوطنية الفلسطينية وإعادة تموضع الحركة
7-10 مليارات شيكل.. فاتورة العامل الغائب عن بروكسل






