وقوف قصير عند "نقف معًا"
هناك توتّر متصاعد بين قيادات النضالات في المجتمع العربي وبين حركة نقف معًا حول طبيعة الشراكة والحضور في هذه النضالات، ومنها مظاهرة تل أبيب وقافلة السيارات، اليوم. وقد ظهر هذا التوتّر جلّيًا في ملاسنة بين منصور دهامشة "الجبهة" وبين نشطاء من حركة "نقف معا". وكان سبق هذه الملاسنة كلام مشابه في الشبكات يشي بالتوتّر الذي يُمكن تسويته، بل من اللازم تسويته. وكي يحصل ذلك علينا أن نعرف من أين يأتي هذا التوتّر. سنحاول أن نبيّن ذلك هنا.
أوّلا، سقف حركة "نقف معًا" هو سقف الليبراليّة الاسرائيليّة المأمول استعادتها مطعّما بنزعات يسار اسرائيليّ لا يناقش من منطلق السرديّة الفلسطينية بل من "إسرائيليّة معقولة" متخيّلة تقوم على مناهضة السياسات الإسرائيليّة الراهنة والحرب من قِيَم "المواطنة الإسرائيليّة الليبراليّة". والفلسطينيّون الذين في الحركة منخرطون في اللعبة من هذا الموضع. فهي تتيح لهم مساحة تعبير غير مضمونة للفلسطينيين الذين يتحدّثون انطلاقًا من السرديّة الفلسطينيّة التي تبدأ من النكبة وتشمل كلّ فلسطين التاريخيّة.
ثانيًا، الانطباع العام من أدائهم أنهم يفعلون ما يفعلون من خلال الرهان على بقايا امتيازات للقوى الليبراليّة التي تحظى بدعم من جهات في الإعلام العبريّ وفي الخارطة السياسيّة ناهيك عن الدعم من مانحين في الجاليات اليهوديّة أو من جهات تدعم في العادة نشاطات يهودية ـ عربيّة. هذا في حين تعدم أحزابنا أيّ شرعيّة ودعم و'امتياز' كهذا. وهذا ما يمنح حركة "نقف معًا" تفوّقًا على الأطر السياسيّة العربية في باب إخراج النضالات والنشاطات إلى حيّز التنفيذ بفضل الموارد الأكبر والخطاب الليبراليّ الذي يحميها. وهذا التفوّق بالذات أوقع الحركة في خطأ الوصاية أو "تعليم العرب" كيف تكون النضالات. في خطابهم تشاوف وبعض استعلاء محفوظ لمجتمعات كولونياليّة بيضاء. ومن هنا فهي لا ترى نفسها ملزمة بأي ترتيبات أو قرارات تتّخذها القيادات العربيّة المخوّلة في إطار مواجهة الجريمة أو إخراج النضالات إلى حيز التنفيذ أو تنظيم حضور القوى المشاركة في هذا النشاط أو ذاك ـ أعلام ومظاهر حزبيّة ومرئيات هويتيّة. فهي ليست جزًا من هذه الهيئات وغير ممثّلة فيها.
ثالثا، إن ترشيح رلى داود إحدى قياديات "حركة نقف معًا" لمنصب رئاسة لجنة المتابعة قبل شهرين اعتُبر لدى أوساط واسعة في مجتمعنا كفعل غير لائق في أقلّ تقدير واستهتارا بمجتمعنا وهويته نضالاته وبهيئته العليا في أسوأ تقدير. أمّا خوض هذه التجربة على خانة المرأة فلم يُغيّر قليلًا من الشعور آنف الذكر وإن كانت الناس دمثة لم تعبّر عنه على الملأ بقدر ما عبّرت عنه في الحلقات والمنصّات الخاصة. بمعنى، فُسّر الأمر على أن حركة "نقف معًا" تمادت قليلًا عندما حسبت أن الأمر بشأن منصب وليس بشأن هويّة الجماعة وروايتها وتمثيلها في فترة الإبادة.
رابعًا، الحركة تعتاش في مجتمعنا من النقد للأحزاب والقيادات وأدائها في مسألة مكافحة الجريمة وسواها. وهو نقد في مكانه على الغالب. تعتقد حركة "نقف معًا" أنه يحقّ لها استخدام هذا النقد لا سيّما في أوساط شبابيّة لتوسيع قاعدتها وخطابها وجمهورها خاصة إذا اقترن ذلك مع قضايا حارقة كالجريمة. ويصير هذا أكثر إلحاحًا إذا ما خاضت الحركة الانتخابات كما نُشر. وهو ما يدفعها إلى تكثيف حضورها في كلّ النضالات المتّصلة بالجريمة والمجتمع العربيّ عمومًا باندفاع وفائض في استظهار الحضور، أحيانًا.
من عادة كلّ القوى السياسيّة في مجتمعنا أن تتعامل تنسيقًا وشراكةً لغرض ما مع قوى ليبراليّة إسرائيليّة. حصل هذا في الكنيست وفي الحياة العامة والجامعات والحيّز العام على مدار عقود. ولا ضير في التعاون مع هذه الحركة، أيضًا، مع توضيح الحدود والممكن واللائق في إطار حوار مع قيادتها. وكون حركة "نقف معًا" أتت من صلب فكرة الشراكة العربيّة ـ اليهوديّة ومن خضمّ التجربة فسنقدّر أن لقيادتها ما يكفي من خبرة واستنتاجات من كلّ الحقبة السابقة لهذه الشراكات. ومن معرفة شخصيّة لكثيرين من نشطاء "الشراكة" أستطيع التأكيد أنهم قد خلصوا إلى استنتاجات بضرورة تصحيحها وتأسيسها على أسس جديدة أكثر إنصافًا للعرب الشركاء وللمجتمع العربي عمومًا لا سيّما بعد الإبادة. كما أن قيادات أحزابنا، أيضًا، ورئيس المتابعة الجديد بوجه خاص، د. جمال زحالقة، قد خلصوا إلى ما خلصوا إليه من تجارب واستنتاجات بشأن العمل السياسيّ والتمثيل. وهو ما يترك مساحة للتفاهم مع حركة "نقف معًا" وغيرها من حركات وجمعيّات ومبادرات في الحقل. في معنى ما ينبغي أن تشكّل هذه الحركات مرآة للأحزاب والقيادات العربيّة وتحدّيًا لتطوير العمل الميدانيّ والنضاليّ انطلاقًا من مقرّاتها وهيئاتها. ولو أني مكان "الجبهة" لما أرسلت منصور دهامشة ليقول ما قاله. الأمور بحاجة إلى عقل مدبّر لا إلى عصبيّة حزبيّة متوجّسة من حركة وُلدت أمس.
عندما تتوغّل الفاشيّة - علّمنا التاريخ - ينبغي بناء جبهة عريضة في مواجهتها. وهذا مطلب الساعة. لا أحد يملك ترف إهدار الوقت والطاقة على توتّر يُمكن حلّه في جولة تفاوض واحدة إذا ما توفّرت الإرادة لذلك.
فلسطين بلا أوهام: لماذا لا توجد بدائل جاهزة في زمن ترامب وما بعده؟
العوامل التي ستعمل على تحسن النتائج المتوقعة للشركات المدرجة في بورصة فلسطين
العدالة، وارادة السيادة الوطنية طريق التحرر والدولة
ملفات إبستين: نخبة فاسدة تحكم العالم بلا مساءلة!
بين الاستسلام وتغيير الوسائل: أي طريق ينقذ الوجود الفلسطيني؟
مرة أخرى حول (الكلاحة السياسية) للطبقة السياسية
الإسفلت لا يكذب





