هل ستضرب أمريكا إيران؟ قراءة موسّعة في الصراع الإقليمي والدولي
مقالات

هل ستضرب أمريكا إيران؟ قراءة موسّعة في الصراع الإقليمي والدولي

حتى الآن لا توجد حرب مؤكَّدة ولا ضربة عسكرية معلنة ضد إيران ، ما نشهده هو تصعيد كبير في الخطاب السياسي و تحشيد عسكري وتهديدات متبادلة بين واشنطن وطهران لكنه لا يعني بالضرورة أن ضربة عسكرية وشيكة ستقع و من الوارد أن تكون هذه التصريحات جزءا من دبلوماسية الضغط والردع وليس مقدمة لحرب شاملة.

إيران دولة إقليمية قوية تمتلك ترسانة صاروخية متقدمة قادرة على التأثير في كامل المنطقة ، أي ضربة أمريكية محتملة قد تؤدي إلى رد إيراني واسع وعنيف يرفع مستوى المخاطر إلى مستويات غير مسبوقة حيث أعلنت إيران صراحة أنها ستتعامل مع أي هجوم باعتباره حرب وجود ما قد يدفعها إلى توجيه ضربات شاملة تستهدف إسرائيل تحت ما يُعرف بسياسة الأرض المحروقة وقد يمتد الرد ليشمل حاملات طائرات وقواعد أمريكية ودول نفطية في الإقليم و في هذا السياق تلعب غزة دورا استراتيجيا مهما ليس فقط كجزء من النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي بل أيضا بسبب موقعها البحري وثرواتها الغازية المحتملة بديلا عن الغاز الروسي وقد ظهرت تصورات لتحويل القطاع إلى منطقة اقتصادية أو سياحية بعد إعادة تشكيله ديموغرافيا وسياسيا ما يجعل السيطرة عليه جزءا من الحسابات الجيوسياسية والاقتصادية في شرق المتوسط كذلك طرحت بعض الدوائر مشاريع مثل طريق “بن غوريون” كمسار بديل لقناة السويس مما يضيف بعدا استراتيجيا آخر للصراع.

سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اتسمت بالتصعيد المستمر والابتعاد عن الحلول الدبلوماسية التقليدية فقد هدد ترامب دولا كبرى وصغرى من إيران وكوريا الشمالية إلى الصين وأوروبا مستخدما العقوبات والتهديد العسكري كأدوات تفاوض أساسية و في الشرق الأوسط ساهمت سياساته في انهاء حل الدولتين وترك فلسطين بلا أفق سياسي ما أبقى المنطقة في حالة حرب منخفضة الشدة قابلة للانفجار في أي لحظة رغم الخطاب عن السلام حيث طرحت مبادرات يمكن وصفها بأنها مجالس سلام شكلية أو بيع الوهم و تهدف إلى إدارة النزاع بالقوة وفرض وقائع جديدة على الأرض بما في ذلك السيطرة على الضفة الغربية و غزة واستغلال مواردها.

الولايات المتحدة تاريخيا تميل إلى الضغط والردع والعقوبات بدل التورط في حرب مفتوحة و الهدف من أي ضربة محتملة غالبا لا يكون إسقاط النظام الإيراني بل تعديل سلوكه الإقليمي و السياسة الامريكية المعتمدة هي: “نضرب دون أن نغرق” أي ضربات محدودة بعناية لإرسال رسائل سياسية وعسكرية دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.

الولايات المتحدة لا تتحرك في فراغ بل في ساحة دولية معقدة تتداخل فيها مصالح روسيا والصين من ملفات فلسطين ولبنان وسوريا واليمن والسودان وصولا إلى فنزويلا فضلا عن توتر العلاقات مع أوروبا بما في ذلك الخلافات المرتبطة بغرينلاند ما يزيد من تعقيد الموقف الدولي و أي تصعيد أمريكي تجاه إيران قد يشعل أكثر من جبهة في وقت واحد وهو سيناريو تدرك واشنطن خطورته جيدا و في المقابل تبذل دول عربية ودول أخرى جهودا واضحة لخفض التوتر ومنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة إدراكا منها أن أي حرب سيكون لها تأثير كارثي على المنطقة بأكملها و تدرك الدول العربية و خاصة النفطية منها أن دولها و نفطها الهدف التالي بعد الخلاص من الخطر الإيراني .

المشهد الحالي أقرب إلى صراع إرادات ورسائل ردع متبادلة وليس قرارا واضحا  بالحرب و الخطر الحقيقي لا يكمن في حرب مقصودة بل في سوء التقدير أو خطأ في الحسابات خاصة في ظل سياسات تصعيدية تفتقر إلى حلول سياسية مستدامة وتترك المنطقة معلّقة على حافة الانفجار الدائم.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر وكالة صدى نيوز.