حين يصبح الموت وهمًا للشجاعة: قراءة في منطق القوة والضعف
مقالات

حين يصبح الموت وهمًا للشجاعة: قراءة في منطق القوة والضعف

في عالم تحكمه موازين القوة لا النوايا، يصبح الوعي بالموقع والإمكانات مسألة بقاء، لا ترفًا فكريًا. فأسوأ ما يمكن أن تقع فيه الأمم والأفراد هو الخلط بين الشجاعة والتهوّر، وبين التضحية الواعية والموت المجاني. الشجاعة التي لا تستند إلى قراءة دقيقة للواقع لا تُنتج نصرًا، بل تضيف رقمًا جديدًا إلى قائمة الخسائر التي لا تغيّر شيئًا في معادلات السياسة الدولية.

في الحسابات الكبرى للقوى العظمى، لا تُقاس التضحيات بميزان الأخلاق، بل بميزان الجدوى. الفرد الذي يندفع إلى المواجهة وهو يظن نفسه بطلًا، لا يدرك أن موته قد لا يكون سوى تفصيل صغير في اتفاق أكبر، أو ورقة ضغط مؤقتة على طاولة مفاوضات لا يجلس عليها. فالتاريخ الحديث مليء بأمثلة شعوب دُفعت إلى الصدام، بينما كان قادتها وسياسيوها يفاوضون من مواقع آمنة، بعيدًا عن ساحات النار.

المفارقة القاسية أن من يدفع ثمن الصراع نادرًا ما يكون هو من يجني ثماره. فالقادة يخرجون بخطابات النصر، والسياسيون يحصدون مكاسب رمزية أو سلطوية، فيما يبقى المجتمع مثقلًا بالخسائر البشرية والاقتصادية، وبأجيال مشوّهة نفسيًا ومعرفيًا. في هذه المعادلة، يتحول الإنسان من غاية إلى وسيلة، ومن قيمة إلى وقود.

من هنا، يصبح الحديث عن القوة الضاربة حديثًا مشروطًا. فامتلاك القوة في النظام الدولي ليس قرارًا ذاتيًا بالكامل، بل نتيجة توازنات دولية معقّدة. الولايات المتحدة وروسيا والصين لا تسمح بقيام قوة مؤثرة إلا حين تتقاطع مع مصالحها أو لا تهدد بنية النظام القائم. وما عدا ذلك، يُترك الصراع ليستنزف أطرافه، أو ليُدار ضمن حدود لا تكسر السقف المرسوم سلفًا.
في هذا السياق، يبدو السلام — على عكس ما يُروَّج له — خيارًا استراتيجيًا لا أخلاقيًا فقط.

السلام ليس استسلامًا، بل إدارة ذكية للوقت. هو المساحة التي يمكن فيها إعادة بناء الإنسان، وترميم الوعي، والاستثمار في التعليم، والمعرفة، والاقتصاد، والتكنولوجيا. فالقوة الحقيقية لا تُبنى في ساحات القتال وحدها، بل في الجامعات، والمختبرات، والمصانع، ومراكز التفكير.

الدول التي فهمت هذه المعادلة لم تتخلَّ عن حقوقها، لكنها أجّلت الصدام حتى امتلكت أدواته. أما الدول التي استعجلت المواجهة دون بنية صلبة، فقد دفعت أثمانًا باهظة، ولم تحصد سوى مزيد من التبعية والإنهاك.

الخلاصة أن البطولة الحقيقية اليوم ليست في الموت، بل في النجاة الواعية. ليست في رفع الشعارات، بل في فهم العالم كما هو، لا كما نحب أن يكون. وفي زمن تُدار فيه الحروب عن بُعد، وتُحسم فيه المعارك في مراكز القرار قبل الميدان، يصبح بناء الإنسان هو المعركة الأهم… وكل ما عدا ذلك تفاصيل.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر وكالة صدى نيوز.