حين تتحول الضربة إلى مشروع: إيران ومعادلة الإقليم الجديدة
مقالات

حين تتحول الضربة إلى مشروع: إيران ومعادلة الإقليم الجديدة

للمرة الثانية خلال عامين، نصحو على نذر حربٍ تطال إيران. لكن هذه المرة لا يبدو المشهد اعتيادياً، ولا اللغة السياسية تقليدية، ولا الإيقاع يشبه جولات التصعيد السابقة. ثمة ما يوحي بأن الأمر يتجاوز ضربة ردع محسوبة، أو استعراض قوة محدود، أو حتى رسالة تكتيكية ضمن لعبة توازن الردع.

ما يجري أقرب إلى اختبار لإعادة تعريف قواعد الاشتباك الإقليمي برمّتها. في العمق، لا يمكن قراءة التصعيد بمعزل عن مشروع استراتيجي تعمل عليه إسرائيل منذ سنوات، يقوم على إعادة تشكيل الإقليم وترسيم خرائط النفوذ والتحالفات فيه. الفكرة ليست فقط إضعاف خصم، بل إعادة هندسة البيئة الاستراتيجية المحيطة. فإسرائيل، التي رسّخت خلال العقد الأخير حضورها الأمني والسياسي في المنطقة عبر مسارات التطبيع والتحالفات الجديدة، ترى أن اللحظة الدولية الراهنة — في ظل انشغال القوى الكبرى بحروب أخرى — قد تكون مناسبة لفرض وقائع يصعب التراجع عنها لاحقاً.

الرهان — في حال مضى السيناريو إلى أقصاه — لا يقتصر على توجيه ضربة موجعة لطهران، بل يتعداه إلى محاولة تفكيك ما يُعرف بمحور إيران الإقليمي، الممتد من العراق إلى سوريا ولبنان وغزة. أي أن الهدف الاستراتيجي ليس جولة عسكرية، بل إعادة ضبط موازين القوى، بحيث تُستبدل معادلة الردع المتبادل بمعادلة تفوق أحادي مستدام.

لكن هذه المقاربة تنطوي على مخاطر جسيمة. فإضعاف نظام بحجم إيران أو محاولة إسقاطه لا يضمن تلقائياً ولادة نظام أكثر اعتدالاً أو أقل تصادمية. التاريخ الحديث في المنطقة — من العراق إلى ليبيا — يبيّن أن تفكيك البُنى القائمة قد يفتح أبواباً للفوضى الممتدة، لا للاستقرار الموعود.

ثم إن محور طهران، مهما اختلفنا في تقييمه، ليس مجرد امتداد إداري يمكن تفكيكه بقرار عسكري؛ بل شبكة معقدة من الفاعلين المحليين المرتبطين بسياقات داخلية خاصة. أي محاولة لكسر هذه الشبكة قد تدفعها إلى مزيد من اللامركزية والتشظي، بما يجعل احتواءها أصعب لا أسهل.

في المقابل، ثمة سؤال آخر لا يقل أهمية: هل نحن أمام لحظة إعادة تشكيل إقليمي فعلية، أم أمام مغامرة قد تُفضي إلى حرب واسعة لا يريدها أحد لكنها تفرض نفسها تدريجياً؟
الإجابات لم تتضح بعد. لكن المؤكد أن المنطقة تقف مرة أخرى على حافة مفصل تاريخي.

فإما أن ينجح مشروع إعادة الضبط، وتُعاد صياغة التحالفات وموازين القوة بصورة مختلفة جذرياً، وإما أن تنزلق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة تُعيد إنتاج الفوضى بوجوه أكثر قسوة.

ما يحدث ليس مجرد تصعيد. إنه اختبار لإرادة الفاعلين الكبار، ولمدى قدرتهم على التحكم في نارٍ يشعلونها وهم يراهنون على أنهم وحدهم يعرفون كيف تنطفئ

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر وكالة صدى نيوز.