الفاشية الترامبية
تشي خطابات الرئيس الأمريكي في العهدة الثانية، وطاقمه السياسي من وزراء ومبعوثين وسفراء وأفعالهم تبني نهجاً استعلائياً اتجاه الدول الأخرى متجاوزين الأعراف الدولية في بنية النظام العالمي وقواعد العلاقات الدولية ومبادئ القانون الدولي، وفاشياً باستخدام تبريرات لحربه الأخيرة على إيران مبنية على فهم وتوصيات مستشاريه الذين ليس لديهم خبرة دبلوماسية أو سياسية مسبقة أو قدرات تقنية في الملفات التي يبحثونها.
كما تظهر أفعاله وتصريحاته، وتصريحات طاقمه السياسي، بالعنصرية تجاه شعوب منطقة الشرق الأوسط؛ كتصريحه بأن "الأمة الإيرانية أمة إرهاب وكراهية"، و"أطفال غزة يولدون بيدهم سلاح"،ووسم المبعوث الأميركي توم باراك دول الشرق الأوسط "مجرد قرى وقبائل"، وتصريح الرئيس الأمريكي بكون مساحة إسرائيل الصغيرة في منطقة الشرق الأوسط الكبيرة، أو تصريحات السفير الأمريكي في إسرائيل مايك هاكابي التي تتجاوز أرض فلسطين إلى الحق التوراتي بإسرائيل الكبرى "من الفرات إلى النيل"، واختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وسلوكه مع دول الاتحاد الأوروبي ومحاولته السيطرة على جزيرة غرينلاند وقناة بنما وضم كندا وتغيير خليج المكسيك، ناهيك عن المشادة الكلامية العنيفة التي جرت في البيت الأبيض مع الرئيس الأوكراني زيلينسكي غير المعهودة في ردهة البيت الأبيض، تظهر تغيراً واسعاً وعميقاً لسلوك الولايات المتحدة الأمريكية في العلاقات الدولية، وتشير إلى عدم اكتراثه بحلفاء الولايات المتحدة (كما هو الحال مع أوكرانيا ودول الخليج ناهيك مع القارة الأوروبية وحلف الناتو) أو مصالح الدول التي لديها علاقات موثوقة مع الولايات المتحدة.
في ظني أن القواعد الحاكمة لسلوك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تتشكل من خليط من القواعد؛ منها ما هو شخصي تتعلق بنرجسية دونالد ترامب ذاته ونزقه وحبه للنجومية الذي يريد أن تدور جميع الأحداث في فلكة، والتي يريد تحقيقها دائما في مجالات عمله، وانطباق نمط الصفقات التجارية على العمل السياسي بدفع أقل الأموال للحصول على أفضل المواصفات "العقارات". هذه الشخصية المكيافيلية التي ترى أن الغاية تبرر الوسيلة تبرز بشكل واضح في سلوكه السياسي في العهدتين الأولى والثانية، وتتحول إلى النزعة الفاشية بتحكمه بالقوة العسكرية الضخمة التي تحتكم إليها الولايات المتحدة. ويترافق هذا الأمر مع الطبيعة الاستعلائية للشخصية الأمريكية التي تعتقد أنّ الولايات المتحدة تحكم العالم أو هي القوة القاهرة الوحيدة في العالم التي لا يجرأ أحد على مخالفتها.
وإحيائه لمبدأ مونرو بوصفه عقيدة حاكمة للسياسة الأمريكية في نصف الكرة الغربي" الحديقة الخلفية للولايات المتحدة"، وهو المبدأ الذي أُعلن عام 1823 لمنع التدخل الأوروبي في شؤون القارة الامريكية؛ الذي تحوّل تاريخيًا من صيغة دفاعية إلى غطاء سياسي للتدخل والهيمنة، والولاية الثانية لترامب، لم يعد مجرد تحذير للقوى الخارجية، بل صار مبرراً صريحاً لإعادة ترتيب الأوضاع داخل الإقليم إذا رأت واشنطن أن ميزان المصالح أو الأمن القومي يفرض ذلك، والتدخل الخارجي باستخدام القوة العسكرية.
إضافة إلى الانعزالية في الانخراط بالمنظمات الدولية وبخاصة المنبثقة عن هيئة الأمم المتحدة بحجة وقف تحمل إنفاق مالي على ما هو خارج الولايات المتحدة أو التزامات دولية قد لا تعود بمنفعة مباشرة للولايات المتحدة تشكل عبئاً مالياً على الخزينة الأميركية ودافعي الضرائب أو أن هذه المنظمات تناصب العداء لإسرائيل.
ناهيك عن التلحف بطاقم من المستشارين يتبنون أفكار اليمين المتطرف "والاستعانة باليمنيين المتطرفين لتنفيذ أفكارهم"، وفكرة تعظيم المكاسب المالية للولايات المتحدة بالحصول على معادن أوكرانيا والاستثمارات المالية من دول الخليج والشركات الكبرى في الشرق الأوسط مقابل الحصول على دعم (التحالف مع) الولايات المتحدة. بالإضافة إلى مبدأ التعامل بالأمر الواقع أي الإقرار بالمكاسب الإقليمية التي يتم تحقيقها بالقوة العسكرية في دعم غير متناهي مع الاستعمار الإسرائيلي.
إنّ إحياء الرئيس دونالد ترامب لمبدأ مونرو، الذي استخدمه الزعيم النازي أدولف هتلر ذاته تحت مسمى المجال الحيوي للسيطرة على دول أوروبية في ثلاثينات القرن الماضي التي أدّى إلى اشتعال الحرب العالمية الثانية، وتوافقه مع النزعة الاستعمارية بالهيمنة والسيطرة لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في منطقة الشرق الأوسط، تظهر أننا أمام منهج قائم على "الفاشية الترامبية" يقضي بتغيير النظام العالمي باستخدام القوة العسكرية "السلام من خلال القوة" بدلاً من الطرق الدبلوماسية؛ القائمة على مبادئ القانون الدولي والحوار والتعاون العالمي التي رسخها التطور الإنساني والحضاري للبشرية، في حل الصراعات والنزاعات الأمر الذي ينذر بإشعال حرب عالمية.
حين تتحول الضربة إلى مشروع: إيران ومعادلة الإقليم الجديدة
ما بين التطرف الديني الإسلامي واليهودي
الأسس النفسيّة للتربية والتعليم
استراتيجية فلسطينية دفاعية
أرض اليباب والخراب
اقتصاد الحواجز: الكلفة غير المرئية للاقتصاد الفلسطيني
بعد الإبادة: هل يصلح النموذج الإيرلندي لرأب الانقسام الفلسطيني؟






