قطٌّ في قسم 17… حين تسللت الإنسانية إلى سجن نفحة
مقالات

قطٌّ في قسم 17… حين تسللت الإنسانية إلى سجن نفحة

في سجن نفحة الصحراوي، حيث تُقاس الحياة بالوقت المقتطع والوجبات القليلة، وحيث يحاول السجّان نزع كل ما يُشبه الإنسان من الأسير، وُجد كائنٌ صغير قرر أن يقاوم بطريقته.

قطٌّ نحيل، بلون الغبار، اتخذ من قسم 17 مكانًا له، ورفض مغادرته رغم المحاولات المتكررة لطرده. لم يكن وجوده عابرًا أو صدفة؛ كان أشبه بحالة تمرّد صامتة، تكرّرت يومًا بعد يوم.
السجّان لا يحب ما لا يستطيع السيطرة عليه. حاول إخراجه مرارًا، لاحقه بين الزوايا، أغلق الأبواب، فتّش

تحت الأسرّة الحديدية، لكنه كان يعود دائمًا. يختبئ حينًا، ويفرّ حينًا آخر، مستغلًا لحظات تبديل الحراس، وكأن لديه هدفًا واضحًا: أن يبقى.

بالنسبة للأسرى، لم يكن القط مجرد حيوان. تحوّل مع الوقت إلى مصدر فرح نادر في مكان يُجفف المشاعر. كانوا يبتسمون كلما أفلت من السجّان، ويشعرون بانتصار صغير مع كل مرة ينجح فيها بالهروب. كان وجوده يرفع المعنويات، ويكسر رتابة القهر، ويُدخل إلى القلوب شيئًا من الحياة.

ربما أدرك السجّان ذلك.

ربما شعر أن هذا القط يُبقي في الأسرى ما يحاول السجن نزعه: الإنسانية. لذلك، لم يكن البحث عنه مجرد إجراء، بل محاولة لاقتلاع تلك الشرارة الصغيرة التي ترفض أن تنطفئ.

رغم شحّ الطعام، ورغم أن الوجبة بالكاد تكفي أسيرًا واحدًا، كان الأسرى يقتطعون القليل؛ فتات خبز، بقايا طعام، لقمة تُخفى عن العيون من اللبنة. لم يكن إطعام القط ترفًا، بل فعلًا إنسانيًا خالصًا، تأكيدًا على أن العطاء ممكن حتى في أقسى الظروف.

مع مرور الأيام، بدا الضعف واضحًا عليه. فراؤه فقد لمعانه، جسده النحيل يشبه أجساد الأسرى التي أنهكها الجوع، كان مشهدًا مؤلمًا في بساطته: كائن صغير يتقاسم معهم الجوع، والخوف،والانتظار. 

في إحدى الليالي، استفاق الأسرى على أصوات غير مألوفة.

أقدام ثقيلة، أوامر حادة، كشافات تضيء العتمة. اقتحمت الشرطة القسم. أحدهم وقف عند الباب، آخر على الدرج، والبقية يحملون العصي ويفتشون الزوايا، بحثًا عن القط.

ساد صمت مشدود.

كان الجميع يخشى أن تنتهي الحكاية عند تلك اللحظة.

لكن القط… فعلها مرة أخرى.
بطريقة ما—لا يعرفها أحد—نجح في الإفلات، اختفى كما اعتاد، تاركًا خلفه دهشة السجّان، وابتسامة مكبوتة على وجوه الأسرى.

 في تلك الليلة، لم ينجُ قط فقط، بل نجت فكرة: أن الذكاء قد يهزم القوة، وأن الضعيف قادر على الإفلات إن تمسّك بعقيدته وإيمانه بما يكفي.
في قسم 17، لم يكن القط مجرد حيوان..كان رفيقًا، وشاهدًا، ورسالة صامتة تقول إن الروح يمكن أن تُحاصر، لكنها لا تُكسر.

في سجن نفحة، حيث يُفترض أن كل شيء خاضع للنظام، علّمهم قطٌّ ضعيف درسًا لا يُنسى:الإنسانية قد تكون صغيرة، جائعة، ومطاردة… لكنها عنيدة، وتعرف كيف تبقى.

سجن نفحة الصحراوي_ ١٤/١٠/٢٠٢٥

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر وكالة صدى نيوز.