لو كان لفلسطين "مؤشر سعادة"
في كل عام ينتظر العالم صدور تقرير World Happiness Report الذي يقيس مستوى السعادة في الدول وفق مؤشرات اقتصادية واجتماعية مختلفة، برعاية جهات تابعة للأمم المتحدة. وغالبًا ما تتصدر القائمة دول مستقرة اقتصاديًا واجتماعيًا، حيث تبدو الحياة أكثر قابلية للتنبؤ وأكثر وفرة في الخدمات والفرص.
لكن هذا التقرير يثير سؤالًا مختلفًا حين ننظر إلى الحالة الفلسطينية: كيف يمكن قياس السعادة في مجتمع يعيش في حالة عدم يقين دائم؟
وفق المعايير التقليدية قد تبدو الإجابة سهلة. فالمؤشرات الاقتصادية ليست مرتفعة، والبطالة مرتفعة، والقيود المفروضة على الحركة والعمل واضحة، إضافة إلى أفق سياسي غير مستقر. وفق هذه الحسابات الباردة، قد تبدو فلسطين مكانًا بعيدًا عن أي تصنيف إيجابي في مؤشرات السعادة.
غير أن هذه المؤشرات، على دقتها الرقمية، تفشل أحيانًا في التقاط ما يحدث فعلًا داخل المجتمعات.
ففي فلسطين، ورغم كل التعقيدات، تستمر الحياة اليومية بوتيرة لافتة. الأسواق تعمل، الجامعات تمتلئ بالطلبة، والمبادرات الصغيرة تظهر باستمرار. ليس لأن الظروف سهلة، بل لأن المجتمع طور عبر الزمن قدرة خاصة على تنظيم الحياة داخل الأزمات.
وهنا تظهر المفارقة: ما تسميه التقارير الدولية "مؤشرات رفاه"، يقابله في الواقع الفلسطيني نوع مختلف من المؤشرات غير المكتوبة. فالسعادة لا تظهر بالضرورة في مستوى الدخل، بل في قدرة الناس على الحفاظ على العلاقات الاجتماعية، وفي استمرار الحياة العائلية، وفي الإصرار على التعليم والعمل حتى في أكثر الظروف تعقيدًا.
العائلة الممتدة، والجيران، وشبكات التضامن الاجتماعي، كلها تلعب دورًا حاسمًا في هذا السياق. فحين تضيق الخيارات الاقتصادية، تتحول هذه الشبكات إلى نظام دعم فعلي يساعد الناس على الاستمرار. وهذا ما يجعل المجتمع أكثر قدرة على التكيف مع الأزمات مقارنة بما قد تعكسه الأرقام وحدها.
لكن من المهم أيضًا عدم الوقوع في رومانسية مفرطة حول هذه الصورة. فالحياة اليومية تحمل قدرًا كبيرًا من الضغط والقلق وعدم اليقين، خصوصًا لدى الشباب الذين يواجهون أسئلة صعبة حول العمل والمستقبل. لذلك فإن الحديث عن "السعادة الفلسطينية" لا ينبغي أن يتحول إلى تبرير للظروف القائمة أو تجاهل لتحدياتها.
ربما تكمن المسألة في شيء آخر: السعادة هنا ليست حالة دائمة، بل مهارة اجتماعية. مهارة في إنتاج لحظات من الحياة الطبيعية داخل واقع غير طبيعي. مهارة في الحفاظ على العلاقات والمعنى حتى عندما تبدو الظروف معاكسة.
ولو كان لفلسطين مؤشر خاص للسعادة، فربما لن يقيس فقط مستوى الدخل أو الخدمات، بل أمورًا أخرى: قوة الروابط الاجتماعية، والقدرة على التكيف، والإصرار على الاستمرار رغم الضغوط.
قد لا تضع هذه المعايير فلسطين في صدارة الجداول الدولية. لكنها قد تكشف شيئًا أكثر أهمية: أن المجتمع الذي يتعلم كيف يحمي معنى الحياة في ظروف معقدة، يملك نوعًا مختلفًا من القوة… قوة لا تظهر بسهولة في الإحصاءات.
هل ستعتذر الأنظمة العربية لشعب فلسطين؟!
الضربة الأولى لا تحسم الحرب
الإفك السياسي باسم تحرير المرأة
الحرب على إيران: لحظة التفوق الإسرائيلي أم بداية حرب استنزاف طويلة؟
غزة بعد الحرب: من منطق الفصيل إلى أفق الدولة
قرار الحرب… وثمن الشرق الأوسط
العرب والمفاضلة بين السيئ -إيران- والأسوأ -أمريكا وإسرائيل






