الإفك السياسي باسم تحرير المرأة
لم أكن أنوي الكتابة عن اليوم العالمي للمرأة، لكن هنالك ما يستفز للكتابة.
يكثر ترامب ونتنياهو في الفترة الأخيرة من الحديث عن حقوق المرأة الإيرانية، ويوجهان لها رسائل باللغة الفارسية كي تنتفض على النظام ويصفان المعارِضات للنظام بالنساء الشجاعات.
في الحرب الأخيرة على قطاع غزة قتل جيش الاحتلال نحو 12500 امرأة فلسطينية، وعلى الأرجح أن أكثرهن قُتلن مع أطفالهن.
خلف كل رقم كانت هناك امرأة تحمل حياة كاملة: أمٌّ تحاول حماية أطفالها، أو شابة تحلم بمستقبل بسيط، أو امرأة مسنّة كانت تظن أن بيتها المتواضع سيكون آخر ما تبقى لها من الأمان.
وفي الضفة الغربية لا تبدو الصورة أقل قسوة، وإن كانت أقل ظهورًا على الشاشات. هناك تعيش عشرات آلاف النساء تحت واقع يومي من الاقتحامات الليلية للبيوت، حيث تقتحم المنازل ليلا وتجد المرأة والصبية نفسها في مواجهة الجنود داخل فضائها الخاص، وسط همجية تتمثل في تكسير محتويات البيوت، والكلام البذيء، وإذلال ساكنيها.
وفي الحقول، حيث تعمل نساء كثيرات إلى جانب عائلاتهن في زراعة الأرض، تتحول حياة المزارعات إلى مواجهة يومية مع عنف وتهديد المستوطنين. يُقتل الأبناء والأزواج أمام أعين الأمهات والزوجات، كان آخرها ليلة أمس في قرية أبو فلاح في منطقة شمال رام الله، هذا إلى جانب عشرات الأسيرات الفلسطينيات ومئات القاصرين اللذين يتعرضون للأهوال في معتقلات الاحتلال.
يزجّ نتنياهو وترامب بفظاظة استعمارية ووقاحة عنصرية بالمرأة الإيرانية في خطابهما، في محاولات شفافة لاستثمار قضيتها الاجتماعية سياسيًا وتوظيفها لتحقيق الهدف المعلن: نشر الفوضى لإسقاط النظام الإيراني، بعد تدمير إيران وقدراتها العسكرية والاقتصادية.
بلا شك أن هناك تمييزًا ضد المرأة، ولكن ليس في إيران وحدها. فالصورة داخل إيران أكثر تعقيدًا مما تقدمه الخطابات الإعلامية الأميركية والإسرائيلية المعادية لإيران.
تشكل النساء أكثر من نصف طلاب الجامعات في إيران، وتصل نسبتهن في بعض التخصصات العلمية إلى مستويات مرتفعة قد تبلغ 70%.
لكن الهوة تظهر عند الانتقال من التعليم إلى سوق العمل أو الحياة السياسية، حيث تبقى مشاركتهن الاقتصادية محدودة نسبيًا، بنسبة تتراوح بين 15% و20%، وهي نسبة قريبة من دولة مثل مصر.
بغض النظر عن توظيفات ترامب ونتنياهو التي يدركها كل ساذج، فإن قضية المرأة في إيران ليست صورة بالأبيض والأسود، بل مزيج من التقدم والقيود في آن واحد. هناك مجتمع يتغير تدريجيًا وتتوسع فيه فرص التعليم للنساء، وفي المقابل توجد منظومة قانونية وسياسية واجتماعية ما زالت تفرض حدودًا على حضورهن في المجال العام.
إن الدفاع الحقيقي عن حقوق النساء يفترض موقفًا أخلاقيًا ثابتًا لا يتغير بتغير الجغرافيا أو المصالح. أما عندما يُستخدم وضع المرأة في بلد ما كأداة ضغط سياسي في مكان ما، ويُهمل في مكان آخر، فإن القضية تتحول من مسألة حقوق إنسان إلى توظيف لمعاناة المرأة في لعبة النفوذ الدولية، بل ولخدمة الاحتلال والعدوان.
تزداد هذه المفارقة وقاحة حين ننظر إلى فضيحة وثائق جيفري إبستين التي كشفت عن شبكات لاستغلال الفتيات القاصرات والمتاجرة بهن، والتي تورطت فيها شخصيات نافذة في عالم المال والسياسة الأميركية، ومن بينها ترامب المتبجح بحقوق المرأة الإيرانية.
وثائق إبستين كشفت التناقض العميق لعالم يتحدث كثيرًا عن حقوق النساء، بينما هو غارق حتى أذنيه في استغلالهن بأبشع الصور.
عندما تصبح حياة النساء رخيصة إلى هذا الحد في ميزان السياسة، يصبح الحديث عن تحرير المرأة مجرد شعار أجوف، وتتحول حقوق النساء إلى أداة في لعبة القوة الدولية. عندها لا يكون الدفاع عن المرأة قضية أخلاقية، بل مجرد فصل آخر من فصول النفاق السياسي العالمي.
الاختبار الحقيقي لصدق هذه القيم لا يكون في الخطابات التي تُلقى على المنابر الدولية أو في المؤتمرات الصحافية، بل في الموقف من النساء اللواتي يقفن في قلب الحروب والفقر والاحتلال، واللواتي غالبًا ما يُتركن خارج دائرة الضوء عندما تتعارض معاناتهن مع مصالح قوى الاحتلال والداعمين والشركاء فيه.
واجب النساء، والقياديات منهن بشكل خاص، فضح خطاب ترامب ونتنياهو وحلفائهما، الذين يكثرون من الحديث عن حقوق النساء، بينما هم لا يكترثون لحياتهن عندما يتعلق الأمر بنساء شعب رازح تحت وطأة احتلال همجي منذ عقود.
هل ستعتذر الأنظمة العربية لشعب فلسطين؟!
الضربة الأولى لا تحسم الحرب
لو كان لفلسطين "مؤشر سعادة"
الحرب على إيران: لحظة التفوق الإسرائيلي أم بداية حرب استنزاف طويلة؟
غزة بعد الحرب: من منطق الفصيل إلى أفق الدولة
قرار الحرب… وثمن الشرق الأوسط
العرب والمفاضلة بين السيئ -إيران- والأسوأ -أمريكا وإسرائيل






