
تعزيز التمثيل النسائي في مجالس الإدارة الفلسطينية
رغم التقدم الذي حققته المرأة الفلسطينية في الآونة الأخيرة في مختلف المجالات ولا سيما المجال التعليمي، إلا أن ذلك لم يُحدث بعد تغييرات جوهرية في نسبة التمثيل النسائي في عضوية مجالس الإدارة. فعلى الرغم من وجود قوانين وتشريعات فلسطينية تؤكد مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص بين المرأة والرجل، إلى جانب انضمام فلسطين عام 2014 إلى اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، إلا أن الفجوة بين الجنسين ما تزال واضحة، حيث تظل نسبة تمثيل النساء في مجالس الإدارة أقل كثيراً مقارنة بالرجال، وأقل من النسب المسجّلة لدى العديد من الدول العربية مثل تونس والمغرب والدول الأجنبية مثل النرويج وفرنسا وبريطانيا وإسبانيا وغيرها.
ولتوضيح حجم الفجوة بين الجنسين في نسبة التمثيل في مواقع صنع القرار، ستعرض المقالة أبرز المؤشرات للعام 2023 وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، حيث تبين أنّ نسبة رؤساء الشركات المسجلة في هيئة سوق رأس المال من النساء 0% في حين بلغت نسبة الرجال 100%، أما نسبة تمثيل النساء في مجالس إدارة تلك الشركات قد بلغت 15.3% مقابل 84.7 % للرجال، كما أن 26% من أعضاء الهيئات المحلية في الضفة الغربية هنَّ من النساء في حين شكلت نسبة الرجال 74%.
كما توضح المؤشرات أيضا سيطرة الرجال على مجالس النقابات المهنية الفلسطينية، حيث استحوذوا على 100% من مقاعد مجلس إدارة نقابة الأطباء البشريين في الضفة الغربية دون أي تمثيل نسائي. أما في نقابة أطباء الأسنان فقد بلغت نسبة عضوية النساء فيها 9.1 % مقابل 90.9 % للرجال، في حين شكّلت النساء ما نسبته 14.3% من أعضاء مجلس إدارة نقابة الصيادلة مقابل 85.7% للرجال. كما سجلت نسبة تمثيل النساء في مجلس إدارة نقابة المحامين 13.3% مقابل 86.7% للرجال، في حين انخفضت نسبة التمثيل النسائي في نقابة المهندسين إذ انها لم تتجاوز 6.7% مقابل 93.3% للرجال.
تؤكد هذه المؤشرات مجتمعة أنّ تمثيل النساء في مواقع صنع القرار لا يزال محدوداً، مما يشير إلى أن فلسطين ما تزال بعيدة عن العدالة وتكافؤ الفرص بين الجنسين وتطبيق مفهوم المسؤولية المجتمعية ومبادئ الحوكمة الرشيدة بمعناها الحقيقي. ورغم أن القوانين والتشريعات الفلسطينية واتفاقية سيداو تؤكدان على المساواة إلا أن التقدم النظري لا يعكس الواقع العملي، ما يستدعي ضرورة اتخاذ إجراءات وتدابير الزامية لتعزيز مشاركة وتأثير النساء في مختلف المواقع والميادين والقضاء على كافة أنواع التمييز.
إن ضعف التمثيل النسائي لا يقتصر على محدودية عدد المقاعد التي تشغلها النساء، بل يمتد إلى أوسع من ذلك ليشمل التأثير الفعلي لهنَّ أيضا، فغالبا ما يُعتبر وجودهنَّ تمثيلاً شكلياً يهدف بالدرجة الأولى إلى تحسين صورة المؤسسات والشركات أمام المجتمع والجهات المانحة بالتزامها وإيمانها بمبدأ التنوع الجندري، دون أن يتم منحهنَّ أدواراً أساسية وصلاحيات للمشاركة في صنع القرارات وصياغة السياسات الاستراتيجية والمالية. فما هي الأسباب التي تحد من التمثيل النسائي في مجالس الإدارة الفلسطينية وتعيق من تأثيرهنَّ الفعال في عملية صنع القرار؟ وما الفوائد التي يمكن أن تحققها المؤسسات من إشراك النساء في مجالس إدارتها؟ وكيف يمكن تطوير استراتيجيات وحلول عملية للتصدي لهذه العقبات وضمان مشاركة عادلة وفعالة؟
تتمثل أهم وأبرز الأسباب التي تحد من التمثيل النسائي في عضوية مجالس الإدارة فيما يلي:
1. غياب نظام الكوتا النسائية الملزم للمؤسسات والشركات بتخصيص نسب محددة للتمثيل النسائي، كما هو الحال في العديد من الدول العربية والأجنبية.
2. ضعف العلاقات المهنية للنساء، فترشيح أعضاء مجالس الإدارة يتم بناء على العلاقات الشخصية والمهنية التي لا يزال يسيطر عليها الرجال، دون الأخذ بعين الاعتبار الكفاءات النسائية الفلسطينية.
3. استمرار سيطرة الثقافة الذكورية والنظرة التقليدية السائدة في المجتمع الفلسطيني التي لا زالت تحصر المواقع القيادية بالرجال وتقلل من شأن وقدرات النساء.
4. غياب سياسات داخلية واضحة تعزز مبدأ العدالة والمساواة والتنوع بين الجنسين.
5. ضعف برامج التمكين والتدريب التي تؤهل النساء لشغل مناصب قيادية.
6. غياب الرقابة الرسمية الفاعلة على التزام المؤسسات والشركات بتطبيق مبدأ العدالة وتكافؤ الفرص، فالأمر متروك لاجتهاد المؤسسات ورغباتها.
وبالرغم من ذلك، فإن إدماج النساء في مجالس الإدارة لا يُعدّ مطلباً لتحقيق العدالة والمساواة فقط، بل هو ضرورة استراتيجية تعود بالمنافع الايجابية على المؤسسات والمجتمع الفلسطيني. فقد أظهرت العديد من الدراسات والتقارير الدولية الحديثة أن وجود تمثيل نسائي متوازن يسهم في رفع مستوى الأداء المالي للمؤسسات والشركات، ويعزز القدرات على الابتكار والانفتاح على الأفكار الجديدة إلى جانب إثراء النقاش في الاجتماعات ويفتح المجال لقرارات أكثر شمولاً وتنوعاً تراعي مختلف الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية، إلى جانب تعزيز مصداقيتها وسمعتها على الصعيدين المحلي والدولي، وتأكيد التزامها بقيم العدل والمساواة وتكافؤ الفرص التي تنعكس ايجاباً على ثقة الموظفين والعملاء والمجتمع، ومنحها ميزة تنافسية في بيئة الأعمال الاقتصادية.
ولتجاوز هذه العقبات وتعظيم المنافع، لا بد من تبني استراتيجيات واتخاذ تدابير عملية، أولها:
1. فرض نظام الكوتا النسائية ضمن التشريعات والقوانين الملزمة للمؤسسات والشركات بتخصيص نسبة لا تقل عن 35% من مقاعد مجالس الإدارة للنساء.
2. تعديل القرار بقانون رقم (42) لسنة 2021 بشأن الشركات إضافة إلى تعديل القوانين الناظمة لعمل المؤسسات بإضافة بنود جديدة تدعم بشكل واضح ومباشر تعزيز التمثيل النسائي.
3. تشكيل لجان وطنية تضم ممثلين عن الوزارات ذات الصلة ومؤسسات المجتمع المحلي والهيئات الحقوقية والقضائية وكذلك المؤسسات التي تعنى بشؤون المرأة، لمتابعة تنفيذ القوانين والتشريعات التي تهدف إلى تحقيق المساواة بين الجنسين وضمان تطبيقها فعليا.
4. ربط التمويل الخارجي المقدم للمؤسسات والشركات بمدى التزامها بإشراك النساء في مجالس إدارتها.
5. إطلاق برامج تدريبية متخصصة لإعداد القيادات النسائية كما يحدث في العديد من الدول العربية والأجنبية.
6. تأسيس شبكات مهنية قوية تتيح فرص التشبيك والدعم وتبادل الخبرات، بالإضافة إلى عقد مؤتمرات محلية تناقش موضوع القيادة النسائية، كما هو الحال في الدول العربية والأجنبية.
7. إطلاق حملات توعوية مجتمعية لتسليط الضوء على قصص نجاح نساء فلسطينيات لتعزيز القبول المجتمعي الفلسطيني للقيادة النسائية.
8. إجراء أبحاث ودراسات لقياس نسبة التمثيل النسائي في مجالس الإدارة وخاصة في الشركات العائلية نظراً لعدم توفر مؤشرات وبيانات دقيقة.
في الختام، مازال الطريق طويلاً أمام تحقيق مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص في المجتمع الفلسطيني. فاجتذاب النساء الى مواقع صنع القرار يعد سمة أساسية للاقتصادات الذكية، وتعزيز مشاركتهن يجب ألا يقتصر على منحهن مقاعد شكلية، بل يجب أن يتجاوز ذلك ليتيح لهنَّ التأثير الفعلي والمشاركة في رسم السياسات وصنع القرارات الاستراتيجية. إن فلسطين بحاجة الى قيادات نسائية يساهمنَّ في خدمة وتنمية المجتمع الفلسطيني، فالمرأة ليست مجرد رقم بل شريك أساسي في بناء الوطن وإعداد الأجيال الصاعدة.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن قانون انتخاب مجالس الهيئات المحلية رقم (10) لسنة 2005 وتعديله بالقانون رقم (12) لسنة 2005، إضافة إلى قرار بقانون رقم (1) لسنة 2007م بشأن الانتخابات العامة هما القانونان الوحيدان اللذان خصصا كوتا نسائية ملزمة في فلسطين آملين أن يتم تطبيقها في جميع القوانين والتشريعات الناظمة لعمل المؤسسات والشركات.

القضية الفلسطينية: محك الضمير العالمي واختبار شرعية النظام الدولي

الحكّام العرب في مواجهة شعوب العالم

عزام… فارس يترجل

الدستور والمجلس الوطني: بين الشرعية الإجرائية والشمولية السياسية

ترامب ومعاداة الفلسطينية اصل السامية

خرائط الدم والدموع: هل يُعاد رسم الشرق الأوسط على خطى برنارد لويس؟

"بين فيديو لا يُحمّل وحصار لا ينتهي: دروس في الصبر الفلسطيني"
