بعد رفضه للمالكي.. ما أوراق ترمب الاقتصادية للضغط على العراق؟
اقتصاد دولي

بعد رفضه للمالكي.. ما أوراق ترمب الاقتصادية للضغط على العراق؟

صدى نيوز - "ترمب يضع العراق في موقف اقتصادي حرج للغاية".. 

حسابات بغداد حال عودة نوري المالكي المحتملة إلى رئاسة الحكومة العراقية انقلبت 180 درجة بعدما هدد الرئيس الأميركي العراق صراحة أنه لو دخل المالكي المعروف بميوله إلى طهران للحكم من الباب؛ فستخرج الحماية الأميركية فوراً من النافذة.

ترمب المشهور بنبرته اللاذعة استخدم 3 تهديدات صريحة في تغريدته تعبيراً عن معارضته لانتخاب المالكي، هي: "لا مزيد من المساعدات للعراق لو فاز، لا فرصة لنجاح بغداد، والدولة قد تغرق في الفوضى والفقر".

هذا الوعيد لا يقرأ بشكل منفصل، وإنما ضمن سياق اقتصادي أوسع بكثير حيث تملك الولايات المتحدة بالفعل أوراقاً فوق وتحت الطاولة يمكن أن تضغط بها -بل وتشل- أي حكومة ليست على هوى ترمب في بغداد، والنفط الذي يمول نحو 90% من إيرادات الدولة في قلب هذه المعادلة.

لماذا لا يخدم فوز المالكي مصالح واشنطن الاقتصادية في المنطقة؟

يتضح هذا الأمر عند مقارنة نفوذ واشنطن الاقتصادي في العراق خلال عهد رئيس الوزراء المنسحب محمد شياع السوداني وفترتي حكم المالكي من 2006 حتى 2014:

السوداني وفر نقطة تقاطع مهمة مع أولويات واشنطن، خصوصاً في ملف الدولار، والطاقة، والانضباط المالي. وأبدى مرونة في تطبيق المعايير الأميركية الصارمة التي تتمثل في تشديد الرقابة على تدفقات الدولار داخل العراق، عبر فرض قيود صارمة على المصارف المحلية، بهدف كبح تهريب العملة إلى إيران وغسل الأموال. وفي قطاع الطاقة، فتح السوداني الباب واسعاً أمام تعزيز حضور الشركات الأميركية، عبر اتفاقات ومفاوضات مع شركات مثل "شيفرون" و"إكسون موبيل"، وهو "ما خدم واشنطن اقتصادياً عبر توسيع استثماراتها النفطية، وسياسياً عبر تقليل اعتماد العراق على واردات الطاقة الإيرانية"، بحسب وكالة "رويترز".

بالمقارنة، شهد حكم المالكي تحولاً سلبياً تدريجياً في التعاون الاقتصادي مع واشنطن. ففي سنواته الأولى، استفاد العراق من تدفق عائدات نفطية مرتفعة، إلا أن ضعف الرقابة على النظام المصرفي جعل البلاد بيئة سهلة لتسرب الدولار، خصوصاً بعد تشديد العقوبات الأميركية على إيران، ما وضع بغداد في مسار تصادمي مع أولويات واشنطن المالية، بحسب صحيفة "فاينانشيال تايمز" البريطانية. وفي قطاع الطاقة، ورغم إطلاق جولات التراخيص النفطية الكبرى بعد 2009، مالت الحكومة إلى تنويع الشراكات باتجاه شركات صينية وروسية، مع استمرار اعتماد العراق شبه الكامل على الغاز والكهرباء الإيرانيين، وهو ما حد من النفوذ الأميركي، وانعكس على فتور التعاون المالي وتنامي النفوذ الإيراني حينها، وهو السيناريو الذي تخشى واشنطن تكراره لو عاد المالكي إلى الحكم.

ويرى الخبير الاقتصادي عبد الرحمن الشيخلي، أنه في حالة فوز المالكي "سيكون هناك تعقيدات" لإدراك الأميركان مدى ارتباط المالكي بإيران، وذلك يتقاطع مع الرغبة الأميركية بقطع أي تواصل لبغداد بطهران.

لكن عبدالرحمن المشهداني، أستاذ التمويل الدولي في الجامعة العراقية يخالفه الرأي، حيث يقول إن فوز المالكي -أو غيره- لن يؤثر على تلك المصالح. لأن "المالكي سيراعي أن مراكز القوة كلها تجتمع في يد واشنطن الآن، وهو غير قادر على الاستغناء عنها".

ما أوراق الضغط الاقتصادية التي يملكها ترمب لتقويض حكم المالكي إذا فاز؟

يمكن القول إن ترمب بمقدوره اللعب على أعصاب العراق بـ3 ورقات، الأولى: أموال النفط العراقي المحمية بقرار من الرئيس الأميركي، حيث تسيطر الولايات المتحدة فعلياً على عائدات النفط العراقي منذ الغزو الذي شنته عام 2003 من خلال إدارتها عبر مجلس الاحتياطي الفدرالي، وكان الهدف لهذه الخطوة حينها هو حماية بغداد من العقوبات والقضايا المتراكمة من عهد الرئيس المخلوع صدام حسين.

ويقول المشهداني: "الكل يعلم أنه لو رفع الرئيس الأميركي يده فستذهب كل الأموال العراقية أدراج الرياح، لأن هناك الكثير من القضايا المرفوعة على الحكومة العراقية كمطالبات منذ عهد صدام، والبعض منها صدرت فيه أحكام بالفعل أمام القضاء الأميركي، وأصحاب هذه القضايا ينتظرون مثل هذه اللحظات حتى يستولون على الممتلكات العراقية".

أما الثانية: فهي تقييد التحويلات الدولارية إلى العراق مثلما حدث في السنوات الثلاث الأخيرة، حيث عاقبت واشنطن مصارف بحجة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وإلى اليوم مازالت هذه البنوك تحت طائلة العقوبات التي فرضتها وزارة الخزانة الأميركية وبنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي. ولفت المشهداني "نعاني من هذا الأمر كثيراً وهناك شح كبير في الدولار بالسوق العراقية لهذا السبب".

والثالثة: هي التسبب بشكل غير مباشر في انهيار الدينار العراقي وسوء الأحوال الاجتماعية عن طريق تقييد الوصول إلى الدولار، ما سيؤدي إلى تغذية التضخم، خاصة وأن العراق خلال العقدين التاليين للغزو لم يستطع بناء قاعدة زراعية أو صناعية توفر احتياجات السوق المحلية. و90% من احتياجات السوق مستوردة بالعملة الصعبة، حتى تلك التي يتم استيرادها من دول عربية مجاورة مثل الإمارات، بحسب المشهداني.

ويلخص الشيخلي الأمر بقوله: "ستكون لهم حرية الضغط على مجمل حركة الاقتصاد العراقي".

أوراق ضغط إضافية

ومع ذلك، هناك مصادر ضغط أخرى غير مباشرة يمكن لواشنطن محاصرة العراق بها، أبرزها تهديد المساعدات العسكرية. فلا يزال أكثر من 70% من تسليح الجيش العراقي أميركي المنشأ سواء بعقود جديدة أو ما تركه الجيش الأميركي بعد الانسحاب من العراق، بحسب المشهداني. وتشكل المساعدات الأميركية العسكرية جانباً مهماً أيضاً من مناقشات الموازنة العراقية السنوية لأن تقديم الدعم للقوات العراقية العسكرية يتراوح بين مليار وثلاثة مليارات دولار سنوياً، وتزداد جوهرية هذه المساعدات في ظل استمرار تهديدات الجماعات الإرهابية والدواعش على الحدود.

ويقول نبيل العزاوي، الباحث في الشأن السياسي العراقي لـ"الشرق"، إن الإطار التنسيقي الذي رشح المالكي "يجب أن يقرأ رسالة دونالد ترمب اقتصادياً في ظل وضع البلاد الدقيق الراهن ومحدودية الخيارات وغياب الإجماع".

تقييد الاستثمارات العراقية في سندات الخزانة التي تديرها الحكومة الأميركية. ووفق بيانات وزارة الخزانة الأميركية بلغت حيازات العراق من هذه السندات نحو 32 مليار دولار حتى أكتوبر 2025.

عرقلة عمل المصارف الأميركية الوسيطة: مثل "سيتي بنك" و"جيه بي مورغان"، التي تسهل حركة التجارة العراقية، وتعتمد بغداد عليها في التحويلات الدولية، وحركة الأموال من وإلى البلاد. كما أن الاستثمارات الأجنبية قد تتعرض لصدمة هي الأخرى "لكون المستثمر دائماً ما يبحث عن الاستقرار السياسي والأمني الذي قد يختل في حالة تولي المالكي الحكومة ضد رغبة واشنطن"، بحسب الشيخلي.

ما التأثير المحتمل على سوق النفط إذا تفاقمت التهديدات؟

حتى الآن، لم تنعكس تأثيرات مباشرة من تهديد ترمب للعراق على سوق النفط رغم ارتفاع أسعار خام برنت إلى قرب 70 دولاراً للبرميل مؤخراً بسبب ضغوطه المكثفة وتهديداته العسكرية لإيران، وهو أمر قد يتزايد لو دخلت العراق بشكل أكبر على خط الصراع.

أيضاً، فإن أي اضطراب محتمل في تدفقات النفط العراقية قد يكون له تأثير مباشر على السوق، حيث يعتبر العراق ثاني أكبر منتج نفط في أوبك بعد السعودية، ويأتي إنتاجه مباشرة بعد السعودية وروسيا ضمن تحالف "أوبك+".

ولو أدى وصول مالكي للسلطة إلى حدوث اضطرابات في القطاع، فقد يمتص ذلك جزءاً من فائض النفط الموجود حالياً في السوق، خاصة وأن العراق كان من الدول التي رفعت إنتاجها بشكل كبير خلال الفترة الأخيرة، ووجهت له اتهامات بتجاوز حصته النفطية في "أوبك"، والتي حاول التعويض عنها في العام الماضي.

 وعلى صعيد الاستثمار، يلفت الشيخلي إلى أن ولاية السوداني شهدت حركة نشطة وطموحة نوعاً ما في مجال قطاع النفط والغاز وحتى الطاقة المتجددة، وكذلك في إصدارات التراخيص النفطية التي بلغت مستوى قياسياً، وقد تتعطل في حالة تغير سياسة من يتولى رئاسة الحكومة الجديدة، وخاصة المالكي الذي "لم تكن له إنجازات كبيرة في هذا الصدد خلال دورتي رئاسته السابقتين"، حسب وصف الشيخلي.