دلتا النيل تهبط أسرع من البحر: خطر صامت يهدد ملايين السكان
منوعات

دلتا النيل تهبط أسرع من البحر: خطر صامت يهدد ملايين السكان

صدى نيوز - تواجه دلتا نهر النيل في مصر خطرا متزايدا لا يأتي فقط من ارتفاع مستوى سطح البحر، بل من هبوط الأرض نفسها تحت أقدام السكان، بحسب نتائج دراسة جديدة كشفت أن دلتا النيل تعد من بين أكثر دلتاوات العالم تعرضا لمخاطر الهبوط الأرضي، في ظاهرة تتسارع بفعل النشاط البشري وتغير المناخ معا.

اعتمدت الدراسة التي نشرت يوم 14 يناير/كانون الثاني في مجلة "نيتشر" (Nature) على بيانات الأقمار الصناعية خلال السنوات الأخيرة، وكشفت أن أجزاء واسعة من دلتا النيل تهبط بمعدلات تفوق متوسط ارتفاع مستوى سطح البحر، ما يعني أن المناطق الساحلية والزراعية في شمال الدلتا تواجه خطر الغمر والتملح بوتيرة أسرع مما كان متوقعا.

ظاهرة عالمية: لكن الخطر محلي

لا تمثل دلتا النيل مجرد مساحة جغرافية، بل قلب زراعي وسكاني لمصر، حيث يعيش فيها عشرات الملايين من السكان، وتنتج جزءا كبيرا من الغذاء المحلي. ومع استمرار هبوط سطح الأرض، تصبح مدن مثل الإسكندرية، ورشيد، ودمياط، إضافة إلى مساحات زراعية شاسعة، أكثر عرضة لتداخل مياه البحر المالحة مع المياه الجوفية، ما يهدد الزراعة ومصادر الشرب في آن واحد.

يقول المؤلف الرئيسي للدراسة "ليونارد أوهنهن" – أستاذ علوم الأرض والبيئة الساحلية المساعد في جامعة كاليفورنيا، إيرفن، إن هذه المشكلة لا تقتصر على مصر وحدها، إذ إن أكثر من نصف دلتاوات الأنهار الكبرى في العالم تشهد حاليا هبوطا في سطح الأرض. وتشمل القائمة دلتا نهر الميكونج في فيتنام، والجانج–براهمابوترا في بنغلاديش والهند، والنهر الأصفر في الصين.

وتقدر الدراسة أن ما بين 350 و500 مليون شخص يعيشون في دلتاوات منخفضة الارتفاع، كثير منهم في مناطق لا يتجاوز ارتفاعها مترين فوق مستوى البحر، حيث يواجه السكان خطرا مزدوجا: مياه بحر ترتفع ببطء، وأرض تهبط بسرعة أكبر.

لماذا تهبط الدلتاوات؟

يوضح ليونارد في تصريحات للجزيرة نت أن هبوط الدلتاوات ليس عملية طبيعية فقط، بل تسارع بشكل كبير بسبب التدخلات البشرية التي تشمل الإفراط في سحب المياه الجوفية، خاصة لأغراض الري والزراعة، ما يؤدي إلى انضغاط طبقات التربة وهبوطها. كما تلعب السدود على الأنهار دورا مهما، إذ تقلل من كميات الرواسب التي كانت الأنهار تحملها تاريخيا لتغذية الدلتا وتعويض التآكل الطبيعي.

في حالة دلتا النيل، يشير الباحثون إلى أن انخفاض الطمي الواصل إلى شمال الدلتا منذ عقود، إلى جانب التوسع العمراني الثقيل على أراض رخوة بطبيعتها، ساهم في تفاقم الهبوط الأرضي، محولا ما كان تغيرا بطيئا عبر قرون إلى أزمة ملموسة خلال عقود قليلة.

يضيف ليونارد: "أحد أهم ما توصلت إليه الدراسة هو أن الهبوط الأرضي أصبح في كثير من الحالات العامل الأهم في ما يعرف بـ"ارتفاع مستوى البحر النسبي"، أي المستوى الذي يشعر به السكان فعليا. ففي عدد كبير من الدلتاوات، كانت سرعة هبوط الأرض أعلى من سرعة ارتفاع البحر، ما يعني أن التركيز على تغير المناخ وحده لا يكفي لفهم حجم التهديد".

وبحسب الباحثين، فإن الفريق أن الهبوط الأرضي يختلف عن ارتفاع مستوى البحر في نقطة أساسية، فهو قابل للإبطاء إذا تم التعامل مع أسبابه. وتشمل الحلول تنظيم سحب المياه الجوفية، وتحسين إدارة الرواسب، وإعادة النظر في أنماط البناء والتوسع العمراني في المناطق المنخفضة والهشة.

ويحذر الباحثون من أن تجاهل هذه العوامل سيجعل أي استثمارات في الحواجز الساحلية أو مشروعات الحماية غير كافية على المدى الطويل.

المصدر: الجزيرة