بين الخطاب السياسي ووجع الناس... عندما تصبح المراجعة ضرورة وطنية
مقالات

بين الخطاب السياسي ووجع الناس... عندما تصبح المراجعة ضرورة وطنية

لا يشعر بعمق الألم إلا من يعيشه. وهذه ليست دعوة لاحتكار الحقيقة، بل تذكير بأن صناعة القرار الرشيد تبدأ بفهم الواقع كما هو، لا كما يُراد له أن يكون.

في غزة، لم يعد الألم حدثًا عابرًا، بل أصبح تفاصيل الحياة اليومية. الجوع، والنزوح، وفقدان الأحبة، وانهيار مقومات الحياة، ليست مجرد أرقام في التقارير، وإنما واقع يختبر الإنسان في أبسط حقوقه. ومن هنا، فإن أي خطاب سياسي لا ينطلق من هذه الحقيقة، سيبدو بعيدًا عن وجدان الناس مهما كانت قوة مبرراته.

المشكلة ليست في اختلاف الرؤى السياسية، فهذا أمر طبيعي، بل في اتساع الفجوة بين الخطاب والواقع. فعندما يتحدث الناس عن البقاء على قيد الحياة، بينما ينشغل الخطاب بتكرار الشعارات ذاتها دون مراجعة أو تقييم، يصبح السؤال مشروعًا: هل ما زال الخطاب يعكس احتياجات المجتمع، أم أنه بات أسيرًا لمنطقه الداخلي؟

إن قوة أي مشروع وطني لا تُقاس فقط بقدرته على الصمود أمام خصومه، وإنما أيضًا بقدرته على مراجعة نفسه. فالمراجعة ليست تراجعًا، والنقد ليس تخليًا عن الثوابت، بل هي ممارسة سياسية مسؤولة تحافظ على حيوية المشروع وتمنحه القدرة على التكيف مع التحولات.

لقد دفعت غزة أثمانًا باهظة دفاعًا عن القضية الفلسطينية، ومن حق أهلها أن يكون صوتهم حاضرًا في أي نقاش يتعلق بمستقبلهم. فلا يجوز أن تتحول تضحياتهم إلى مجرد خلفية للمواقف السياسية، أو أن يُطلب منهم الاستمرار في دفع الكلفة دون أن يكون لهم حضور حقيقي في صياغة الخيارات.

إن أي قيادة، أيًا كانت، تستمد شرعيتها الأخلاقية قبل السياسية من قدرتها على الإصغاء لنبض الناس. وعندما تتسع المسافة بين معاناة المجتمع والخطاب السياسي، فإن الحاجة لا تكون إلى مزيد من الشعارات، بل إلى مراجعة جادة تعيد الإنسان إلى مركز الاهتمام.

اليوم، لا تحتاج غزة إلى خطاب يطلب منها مزيدًا من الصبر، فهي قدمت من الصبر ما يعجز عنه الوصف. ما تحتاجه هو خطاب يعترف بحجم المأساة، ويضع حياة الإنسان وكرامته في صدارة الأولويات، ويؤمن بأن حماية المجتمع ليست هدفًا ثانويًا، بل هي جوهر أي مشروع وطني.

إن أعظم الأفكار تفقد قيمتها عندما تنفصل عن الإنسان، وأقوى المشاريع السياسية تضعف عندما تتوقف عن الإصغاء لمن تحمل آلامهم وآمالهم. لذلك، فإن المراجعة اليوم ليست ترفًا فكريًا ولا استجابة لضغوط، بل مسؤولية وطنية وأخلاقية تفرضها تضحيات شعب يستحق أن يكون شريكًا في القرار، لا مجرد متلقٍ لنتائجه.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر وكالة صدى نيوز.