عام سقوط وهم الديمقراطية الليبرالية بإسرائيل
كان عام 2018 محطة لافتة في سيرورة إضعاف سلطة الكنيست الإسرائيلي الـ20 (استمرّت ولايته بين 17 آذار/ مارس 2015 و9 نيسان/ أبريل 2019) وتحويلها إلى هيئةٍ تُصادق بدل أن تُراقب أو تُشرّع بحرية. ولم ينجم الإضعاف عن حدثٍ واحد، بل كان حصيلة مسارات تواترت خلال ذلك العام، لعل أبرزها مسار إقرار "قانون أساس: إسرائيل – الدولة القومية للشعب اليهودي" في تموز/ يوليو 2018 الذي جرى تمريره بمنطق أيديولوجي مغلق، مع تجاهل تام لاعتراضات قانونية ودستورية من داخل الكنيست نفسه، وفي غمرة تحويل النقاش البرلماني إلى إجراء شكلي، نظرا إلى أن القرار كان محسوما سلفا في أوساط الحكومة والائتلاف. وكان من استخلص من ذلك أن الكنيست استحال إلى أداة لتعزيز رؤية السلطة التنفيذية، بدل أن يكون ساحة توازن بين قيم متنافسة، ويعود سبب ذلك أيضا إلى افتقاده تقاليد كان من شأنها أن تصون مثل هذه الكينونة.
في أيامنا الراهنة، يعود كثيرون إلى عام 2018 معتبرين "قانون القومية" بمثابة رصاصة أولى في إضعاف السلطة التشريعية كونه تجاهل مبدأ المساواة وتجاوز تحذيرات قانونية، وتمثلّت خلاصة بعضهم في أنه بمجرّد أن تجاهل الكنيست أقلية أصلانية كاملة (فلسطينيو 48)، لم يعد صعبا عليه تجاهل نصف مجتمع الأكثرية. وسرعان ما انتقل، على صعيد أدائه، من نزع الشرعية عن النواب العرب إلى إضعاف المعارضة. أما خطة الانقلاب القضائي التي بدأت بها الحكومة الإسرائيلية الحالية منذ الأشهر الأولى لولايتها في بدايات 2023 فقد هدفت إلى تحويل الكنيست من سلطة تشريعية ضعيفة إلى سلطة مُسخّرة للدفع بغايات السلطة التنفيذية.
لا يتسع المقام لعرض سيل التشريعات التي صادق عليها الكنيست في ذلك العام بشأن ما سُخّر إليه، وتسبّبت بأن يستنتج مزيدٌ من الباحثين، مذّاك، أن ما استجد لم يكن تراجعا عرضيا بل دليلا على سقوط وهم الديمقراطية الليبرالية في إسرائيل، وأن الكنيست كان دائماً محدودا، لكنه في 2018 سقط القناع عنه نهائيا.
وللنمذجة العينية نشير إلى مسألتين: الأولى، في 7 أيار/ مايو 2018، أقرّ الكنيست بالقراءة الأولى مشروع قانون "فقرة التغلب" والذي يشمل تعديل المادة 8 من "قانون أساس: كرامة الإنسان وحريته" والمادة 4 من "قانون أساس: حرية العمل"، والتي اصطُلح على تسميتهما "فقرتي التقييد": تقييد الكنيست وحريته المطلقة في سن قوانين تتعارض مع حقوق إنسان أساسية يضمنها قانونا الأساس المذكوران بشكل خاص، بمعنى: تخويل المحكمة العليا صلاحية إلغاء قانونٍ ما، أو بنود عينية من قانون، في حال توصلت المحكمة إلى كونه "قانونا غير دستوري"، لتعارضه مع نصوص في قانوني الأساس وتعدّيه على حقوق إنسان أساسية، بصورة غير تناسبية. ورغم أن المحكمة العليا لم تستخدم صلاحيتها هذه ولم تمارسها إلا بصورة حذرة وجزئية جدا منذ سنّ قانوني الأساس المذكورين في 1992، إلا أن سنّ "فقرة التغلب" هذه جاء لوضع حدّ حتى لهذا الاستخدام الجزئي والمحدود، ولسدّ الباب أمام أي استئناف على ما يمكن أن تشرّعه الأغلبية البرلمانية السياسية من قوانين تضيّق رقعة الحقوق، وتنتهكها وتتعدى عليها.
الثانية، بالتزامن مع ذلك، صادق الكنيست بالقراءة النهائيّة على مشروع قانون ينص على نقل صلاحية إعلان حرب أو حملة عسكرية من الحكومة إلى المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية (الكابينيت). ويسمح القانون لرئيس الحكومة بأن يحصل على موافقة المجلس الوزاري المصغّر فقط، ويوضح أن لا حاجة إلى أن يشارك كل أعضاء هذا المجلس في النقاش أيضا. كما يسمح بوجود ظروف استثنائية جداً تمنح رئيس الحكومة بالتشاور مع وزير الأمن فقط صلاحية إعلان الحرب. وهي صلاحية غير قابلة للنقد أو التغيير. ويختلف هذا القانون جذريّا عما كان عليه الوضع سابقا.
ورأت تحليلاتٌ متعدّدةٌ في حينه أن هذا القانون يعدّ خطوة أُخرى من سلسلة خطوات سرّع الكنيست اتخاذها في 2018 وتحوّل النظام في إسرائيل إلى نظام استبدادي.
خوارزميات خالد الصيفي التي لن تموت
المفاوضات الأمريكية-الإيرانية ماذا بعد إسطنبول...تبريد أم تبرير
انهيار المسطرة الأخلاقية: من إبستين إلى غزة
الصين: قيادة عالمية في الطاقة النظيفة، العدالة، والمصير المشترك للبشرية
من يحكم الاقتصاد الفلسطيني؟ المواطن أم الممول؟
عن تل أبيب وضرورة التمييز بين الشارع والطريق
من استنفاد الماضي إلى بناء المستقبل: نحو صحوة وطنية





