بعد مداهمة مكاتب "إكس".. أوروبا تعلن الحرب على شركات التكنولوجيا الأميركية
منوعات

بعد مداهمة مكاتب "إكس".. أوروبا تعلن الحرب على شركات التكنولوجيا الأميركية

صدى نيوز - شنت دول أوروبية أوسع حملاتها حتى الآن ضد منصات التواصل الاجتماعي، مع تزايد عدد الدول التي تدرس حظر هذه الخدمات على القاصرين، في خطوة تمهد لمواجهة جديدة مع بعض أكبر الشركات الأميركية.

كانت أستراليا السباقة إلى تطبيق هذا الحظر الذي شمل منصات "ميتا بلاتفورمز" مثل "إنستغرام" و"فيسبوك"، إلى جانب "سناب"،ومنصّة "إكس" التابعة لإيلون ماسك و"تيك توك" و"يوتيوب" المملوكة لـ"جوجل".

واليوم، تلقى هذه الخطوة صدىً متزايداً في أوروبا، في ظل تهديد بحجب هذه الخدمات عن ملايين المستخدمين الشباب حيث تصفها الجهات التنظيمية بأنها ضارة ومسببة للإدمان، ما يضع إيرادات إعلانية أساسية في مهب الريح.

سجال محتدم بين ماسك ورئيس وزراء إسبانيا

اتخذ الجدل منحى سياسياً وأيديولوجياً وحتى شخصياً عندما أصبحت إسبانيا أحدث دولة تقترح حظر هذه الخدمات، إذ تحوّل إلى مواجهة علنية بين زعيمها الاشتراكي وإيلون ماسك الذي دعا سابقاً إلى تفكيك الاتحاد الأوروبي، وتعرضت مكاتب منصته "إكس" في باريس لمداهمات.

وقال رئيس الوزراء بيدرو سانشيز في خطاب ألقاه في دبي يوم الثلاثاء: "تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى دولة فاشلة". وأضاف "أدرك أن الأمر لن يكون سهلاً. فشركات التواصل الاجتماعي أثرى وأكثر من نفوذاً من كثير من الدول، بما في ذلك دولتي. لكن قوتها ونفوذها لا ينبغي أن يخيفاننا".

ورد ماسك بعد ساعات عبر "إكس" قائلاً "سانشيز القذر طاغية وخائن لشعب إسبانيا".

ومع توجه ما لا يقل عن ست دول أخرى، هي فرنسا والمملكة المتحدة والبرتغال والدنمارك واليونان وهولندا، إلى جانب الاتحاد الأوروبي، لبحث فرض قيود مماثلة، تعكس هذه التحركات مساراً واضحاً للسياسات المقبلة، وتصعّد في الوقت نفسه حدة الحرب الثقافية مع إدارة ترمب ومعه بعض أقوى الأثرياء في العالم.

"غروك" يؤجج الغضب الأوروبي

لم يرد ممثلو كل من "ميتا بلاتفورمز" و"سناب" و"تيك توك" و"يوتيوب، ومنصة "إكس" على طلبات التعليق.

وفيما وجهت الهيئات التنظيمية الأوروبية مراراً انتقادات حادة لشركات التواصل الاجتماعي الأميركية بسبب ممارسات احتكارية، فإن الاستحواذ الواسع على بيانات المستخدمين وانتشار المحتوى الضار عبر هذه المنصات أسهما في تصاعد مشاعر العداء تجاه وادي السيليكون خلال الأسابيع الأخيرة.

ويعود ذلك إلى حد كبير إلى موجة الغضب التي أثارها روبوت الدردشة "غروك"، التابع لشركة "إكس إيه آي"، بعدما أنتج ملايين الصور ذات الطابع الجنسي من دون موافقة أصحابها على منصة "إكس". وشملت كثير من الصور نساءً، ولكن بعض الصور العارية تضمن أطفالاً أيضاً.

وقالت الشركة إنها ستقيد استخدام الأداة، غير أن الهيئات التنظيمية حول العالم سارعت إلى التحرك، لتتحول القضية إلى ملف ساخن لدى السياسيين والناخبين الذين باتوا أكثر حساسية تجاه هذه المسألة.

مواجهة محتملة بين أوروبا وأميركا

قد تفضي التحركات الأوروبية إلى رد تصعيدي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب ودائرته المقربة، بعد أن كان وجّه سهامه أكثر من مرة تجاه أوروبا، فيما تبدو الشراكة العابرة للأطلسي، التي شكلت ركناً أساسياً في النظام العالمي طوال العقود الثمانية الماضية، أقرب إلى حافة الانهيار.

وكان ترمب دعا أورويا في ديسمبر إلى "توخي الحذر الشديد"، بعدما فرضت الهيئات الناظمة لقطاع التكنولوجيا في الاتحاد الأوروبي غرامة بقيمة 140 مليون دولار على منصة "إكس" بسبب انتهاك قواعد المحتوى الرقمي.

اقرأ أيضاً: الاتحاد الأوروبي يغرم منصة "إكس" وسط خلاف حرية التعبير مع أميركا

وبعد السجالات التي شهدها المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، قد تتجدد التوترات لاحقاً هذا الشهر خلال مؤتمر ميونيخ للأمن، حيث اتهم نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس الأوروبيين العام الماضي بممارسة "رقابة رقمية".

تجلت حدة الخصومة الشخصية عندما اتهم سانشيز إيلون ماسك بنشر "معلومات مضللة" حول خطوة إسبانيا لتسوية أوضاع المهاجرين غير النظاميين، بعدما كان الملياردير قد أعاد في وقت سابق مشاركة منشور وصف الإجراء بأنه "هندسة انتخابية".

وقال زاك مايرز، مدير الأبحاث في "مركز التنظيم في أوروبا": "في بدايات رئاسة ترمب، سادت مخاوف من ردود انتقامية إذا اتخذت الدول مواقف صارمة ضد شركات التكنولوجيا الكبرى، لكن هذه المخاوف تراجعت إلى حد ما خلال الأشهر الأخيرة".

خسائر تهدد شركات التكنولوجيا

تواجه المنصات خسائر كبيرة في حال حجبها عن المستخدمين الأصغر سناً، إذ ازدهرت منصات مثل "تيك توك" و"سناب شات" بفضل إقبال المراهقين، الذين أسهمت تفضيلاتهم لميزات مثل الفلاتر والفيديو العمودي والمنشورات المؤقتة، في إعادة تشكيل تصميم تطبيقات المستهلكين على نطاق أوسع.

أما "يوتيوب"، فيضم قاعدة واسعة من الأطفال، ما جعله عرضة لتدقيق سياسي متكرر في السابق.

ومع ذلك، يُنظر إلى هذه الميزات نفسها على أنها مسببة للإدمان، فيما تواجه عدة من أكبر المنصات دعاوى قضائية في الولايات المتحدة، وسط اتهامات بأن منتجاتها تلحق أضراراً بالشباب.

وتُعد أوروبا ثاني أكبر سوق لكثير من شركات التكنولوجيا بعد أميركا الشمالية، بفضل الانتشار الواسع للتقنيات الرقمية ونضج منظومة الإعلانات عبر الإنترنت. وبالنسبة لكل من "سناب" و"ميتا بلاتفورمز"، تنمو الإيرادات في أوروبا بوتيرة أسرع منها في الولايات المتحدة.

وقالت أليثيا غارسيا هيريرو، الباحثة البارزة في "بروغل": "أوروبا هي البقرة الحلوب لشركات التكنولوجيا الكبرى، لذا يشكّل هذا الأمر مشكلة كبيرة لها"، مضيفة أن الولايات المتحدة قد تنظر إلى أي حظر محتمل باعتباره خطوة ذات أبعاد سياسية.

تحديات تعترض حظر المنصات

لكن تطبيق مثل هذه القيود ليس بالمهمة السهلة، إذ يشكك خبراء السياسات الرقمية أيضاً في توافر أدلة كافية تثبت أن الحظر سيشجع الأطفال فعلاً على قضاء وقت أطول بعيداً عن الإنترنت.

وكانت أستراليا أول دولة في العالم تشدد القيود على استخدام الأطفال لمنصات التواصل الاجتماعي، بعدما أغلقت شركات التكنولوجيا في ديسمبر حسابات نحو خمسة ملايين طفل دون سن السادسة عشرة.

ترى منصات التكنولوجيا أن حجب الخدمات عن القاصرين مهمة بالغة التعقيد، إن لم تكن مستحيلة، وقد تفضي إلى مشكلات أوسع.

فآليات التحقق من العمر قد تستدعي مشاركة وثائق حساسة، مثل رخص القيادة أو جوازات السفر، ما يفتح الباب أمام مخاطر الاختراقات السيبرانية أو إساءة استخدام البيانات. كما ينطوي الحظر على احتمال دفع المستخدمين نحو منصات أقل شرعية.

وستواجه الدول التي تسعى إلى استنساخ التجربة الأسترالية عراقيل تتعلق بكل دولة.

فرنسا وبريطانيا تشددان القيود

في فرنسا، أيد الرئيس إيمانويل ماكرون بشدة فرض قيود عمرية على استخدام منصات التواصل الاجتماعي. ففي عام 2024، وصف إدمان الشاشات بأنه "بيئة خصبة لمختلف المشكلات، من التنمر والعنف إلى التسرب المدرسي".

 وفي الأسبوع الماضي، أقرت الجمعية الوطنية الفرنسية حظراً على استخدام هذه المنصات للأطفال دون سن الخامسة عشرة، على أن يحال مشروع القانون إلى مجلس الشيوخ لاستكمال إقراره.

غير أن فرنسا اصطدمت بصعوبات في تنفيذ إجراءات أخرى لتنظيم المحتوى على الإنترنت. فالقانون الذي أُقرّ مؤخراً لحظر المواد الإباحية على القاصرين ألزم المستخدمين بالتحقق من أعمارهم عبر خدمات تابعة لجهات خارجية، إلا أن مؤشرات عدة أظهرت لجوء عدد كبير من مستخدمي الإنترنت إلى الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN) لإخفاء هوياتهم وتجاوز القيود.

وقالت وزيرة الذكاء الاصطناعي والشؤون الرقمية الفرنسية، آن لو إيناف، في تصريح تلفزيوني الأسبوع الماضي: "الشبكات الافتراضية الخاصة هي الموضوع التالي على قائمتي".

وبرزت مخاوف مشابهة في المملكة المتحدة عند فرض آليات للتحقق من العمر، فيما تجري الحكومة حالياً مشاورات حول خيارات أخرى، من بينها تقييد الوصول بحسب الفئة العمرية، وفرض أوقات حظر لاستخدام الهواتف، ووضع ضوابط للتصاميم الرقمية المسبّبة للإدمان. ومن المتوقع أن تُتخذ قرارات نهائية بهذا الشأن خلال الصيف.

وقالت وزيرة التكنولوجيا البريطانية ليز كيندال في مقابلة الشهر الماضي: "لا معنى لإجراء مشاورات إذا كنت قد اتخذت قراري مسبقاً". وأضافت "توجد آراء مختلفة يتمسك بها كل طرف بقوة".