الشاعرة التي تأبطت خيرا 
مقالات

الشاعرة التي تأبطت خيرا 

هي بين النساء أميرة وأميرة بين الشاعرات، سميت منذ طفولتها بأم الخير، تم صقلها في مطبخ امها وحكمة والدها وانتقاها وهي يافعة رجل بحجم قبيلة كما وصفته لتكون زوجة له فكان زوجا وأخا وأبا، كان عالما خاصا بها وكانت عالمه.فسيرة الدكتورة سعاد الصباح  امد الله في عمرها وفي نشاطها الثقافي المتعدد تشير الى حالة انسانية متميزة من حيث الجد والإجتهاد وبناء الذات وحالة شعرية ثورية قل مثيلها بين الشاعرات وحالة متفردة في خدمة النشر وتكريم المتميزين في الوسط الأدبي وهي قبل ذلك بنت الكويت واكثر من تغنى ببحرها ورملها. إنطلقت في التحصيل العلمي بتشجيع زوجها عبد الله المبارك وكان يدمع فرحا عندما تحصل على درجة علمية تغزلت فيه شعرا. كنت أسمع عنها ولا أراها وأول ما قرأت لها كان تحليلا اقتصاديا لها في جريدة الأنباء فهي خريجة اقتصاد لكن الشعر لازمها منذ الطفولة بشغف القراءة.

وبعد حين صرت اطلع على شعرها  فالعمل داخل الصحيفة يغيب الصحفي عن النشاطات الأدبية  خارج مبنى الصحيفة ويسطح الصحفي الشاعر بحيث يسرق جمله الشعرية لتتحول الى عبارة في مقال. وذات سنة لاحظت أن أحدهم ممن سموا انفسهم نقادا كان إذا سمع بأن شاعرا او اديبا سيزور الكويت سارع الى نشر مقال ينتقده وكأنما يتحداه طلبا    للشهرة في التطاول على قامة ادبية، وانتشر خبر من أن الشاعر الكبير نزار قباني سيزور الكويت  فبرز الناقد إياه يطعن فيه ليس من مدخل نقدي  شعري ادبي بل أخذ عليه أنه لا يفعل ما يقول به من ثورة وانتقاد للظلم والخذلان العربي الحاكم فكتبت ردا عليه بقولي أن نزارا لا يطرح نفسه  زعيم ثورة ولا محاربا بل هو شاعر وان كتب  نطق بضمير الشعب وهذا يكفيه وإن تغزل فهو ينطق بلسان العشاق لأنه ليس عاشقا الا لبلقيس التي احب وتزوج. وتشاء الصدفة ان يزور  قباني الكويت  ويزور جريدة الوطن وفوجئت بأنه يسأل عني ليشكرني على ردي لصالحه وقال ان الدكتورة سعاد الصباح ابلغته بذلك.وبعد ذلك انتظمت الدكتورة في كتابة خواطر اجتماعية وسياسية منوعة واختارت استراحة الخميس في جريدة الوطن وأرسلت لي مقالاتها وكانت قصيرة ومعبرة ونشرتها وصرت أتلقى دعوات لحضور امسياتها الشعرية في الكويت وكنت في بداياتي شاعرا لكن عندما حصلت على وظيفة في جريدة الوطن وكنت نشرت قصيدة فيها من قبل بعنوان السيمفونية الدموية أحدثت ردود فعل غير متوقعة لدى القراء فأستدعاني الاستاذ محمد خالد قطمة مدير تحرير الوطن وقال أهذا شعرك !قلت نعم فقال يمكنك ان تشتهر اذا واصلت الشعر ولكن اذا اردت الصحافة فأنسى الشعر فقلت أنساه فأنا أريد خبزا  لا شعرا.

وللحقيقة فإن الأستاذ قطمة كان له الأثر في دفعي الى الامام مع الاستاذ محمد مساعد الصالح    فمن الاول تعلمت الصحافة الحديثة ومن الثاني تعلمت الإختصار في كتابة المقالة وقفلها بجملة ساخرة او مؤلمة.

بعد ابعادي من الكويت مع صحفيين اخرين وفرض الرقابة على الصحف وحل مجلس الامة ذهبت الى القاهرة الى مكتب القبس  وهناك ايضا التقيت بالدكتورة سعاد عندما جاءت الى معرض القاهرة للكتاب ثم الى مؤتمر اقتصادي فهي قومية ناصرية كزوجها الشيخ عبد الله المبارك .وتركت القاهرة في سنة 77 لانجاز كتاب عن مرور 20 سنة على الاحتلال وأندلعت في اثناء ذلك الانتفاضة فبقيت هناك وتخصصت في كتابة يوميات الإنتفاضة للقبس وجرى اعتقالي  في ابريل 88 وبينما كنت ارتدي ملابسي والجنود من حولي في غرفة نومي همست في أذن زوجتي وكانت بدون لم شمل في حينه اذا ابعدوك الى الخارج  وضاقت الدنيا فاتصلي بالدكتورة سعاد فقط، وبعد الافراج عني تم       منعي من السفر حتى مطلع التسعين وعدت الى القاهرة ووجدتها فرصة لإنجاز كتاب عن  ما صادفته من غرائب الشهداء في الإنتفاضة، وأعددت الكتاب للنشر   وشكرت في مقدمته النخلة العربية المعطاءة الدكتورة سعاد التي  تبرعت بتكلفة نشره في عمان         فتوجهت الى عمان لإلقاء محاضرة في مؤسسة شومان في منتصف يوليو 90 واعطيت مسودة الكتاب للناشر واجرة الطباعة  وكان بعنوان دم الانتفاضة بلوحة اخترتها كغلاف من ابداعات   الخالد ناجي العلي، ثم عدت لبضعة ايام الى الضفة واتصلت بالقبس طالبا تمديد اجازتي حتى نهاية الشهر فقيل لا خذ ما شئت من وقت الوضع عندنا مكهرب.

وفعلا كان مكهربا ففي صبيحة الثاني من اغسطس وهو عيد ميلادي ايضا استيقظنا على غزو الكويت فاصبحنا  وكأنما في كابوس وتخيلت وضع  الدكتورة التي كانت اكبر من شاعرة قومية  ثائرة وكان زوجها كرس حياته لخدمة قوميته وكويته وترفع عن الصغائر. فهي وهو ساهما في المجهود الحربي المصري منذ سنة 67 وساهما في دعم الثورة الفلسطينية وساهما في المجهود الحربي في الحرب  العراقية الايرانية ووجدا  نفسيهما ضحية من ساعدوا. كم هو مؤلم الغدر وكم هو صعب الحفاظ على الشعور العروبي القومي في زمن الردة. بقي ان اقول ان الكتاب لم يحظ بالقراءة الموسعة لأنه صدر في مطلع أغسطس أيضا وحصلت على نسخة واحدة لاحقا.وذهب كتاب دم  الانتفاضة هدرا في حينه  كما ذهبت القضية هدرا الآن.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر وكالة صدى نيوز.