قراءة محنة العنف قراءة ضد استشراقيّة
حسب ما نكتبه ونصرح به ونبثّه، فإن نظرتنا كمجتمع إلى محنة العنف والتقتيل - على العموم مع استثناءات - مشتقة من نظرة السلطة والنخب الإسرائيلية إلينا ومحاولتها التنصل من كل مسؤولية تجاهنا وتجاه سياساتها التي خلقت هذا الواقع بكل تفاصيله، بما فيه العنف. بل إن الخطاب الذي يبدأ وينتهي باستعراض عدد القتلى ضحايا العنف في المجتمع العربي، أو أخبار الصباح عن مقتل "أب وابنه من طرعان" أو عن مقتل شاب في سخنين - كلها لغة تحاصر المحنة في المجتمع العربي وتفيد أن القضية داخلية تتصل به. أما النقاشات التي تدور على الألسن، خاصة في وسائل إعلام ناطقة بالعربية، فتخلق انطباعًا أن هناك دولة عربية في هذه البلاد لا نعلم بها يحصل بها كل هذا التقتيل، وأن الإخفاق هو إخفاق النواب العرب ورؤساء البلديات والمدارس وما إلى ذلك. هكذا تأتي أسئلة العاملين في الإعلام في غالبيتها لتكرس هذا الانطباع، خاصة مع مقولات على نسق "مجتمعنا إلى أين" وما يصدر من ولولة وزعفلة من هذا المذيع أو تلك المقدمة.
صحيح أن الضحايا من العرب، لكن صحيح أيضًا أن الغالبية العظمى منهم تسقط بأيدي الجريمة المنظمة. وهذا لوحده ينبغي أن يغير وجهة الخطاب ومضمونه كليًا. على الأقل، في مستوى الفصل بين هذا النوع من الجريمة - وهو مسؤولية الدولة الحصرية ومؤسساتها وأجهزتها - وبين عنف أسري أو ذاك الناجم عن خلافات حاراتية أو مشادات تحصل في كل مكان. سأحاول هنا "ترتيب" هذا العنف المدمر وأكثر هذه الفوضى العارمة في توصيفه والتعاطي معه.
- لقد تعززت النظرة والسياسة الكولونيالية الفوقية الاستعلائية في العقدين الأخيرين، فيما أشبه باستئناف المكون الكولونيالي في تجربة المجتمع اليهودي تجاه مجتمعنا. سياسات عنصرية تحمله وزر أوضاعه علمًا بوجود تطبيقات كولونيالية ممتدة، مثل مصادرة الأرض وجعل كل بلدة عربية معزلًا سكانيًا محاطًا بخط أزرق أو بقرار إداري يهدم ويمنع ويحد ويعاقب، وتحويل معظم البلدات العربية إلى بلدات تفجر سكاني نموذجية. 20% من السكان يعيشون على 3% من الحيز المكاني - وهذه الحقيقة لوحدها تفسر جزءًا كبيرًا من الظاهرة. وأقصد الاكتظاظ السكاني الشديد. أو "سكان أكثر بكثير وفرص أقل بكثير"! تخيلوا معي مثلًا أن كل بلدة عربية احتفظت بكامل الاحتياطي من الأرض، وأنه ليس هناك ضائقة سكنية! هي نهضة معاقة تمامًا وأفق مسدود تمامًا أمام البلدة والمجتمع. تمدّن بدون مدينة وحيز مناسب خلق تشوهات اجتماعية وسكانية واقتصادية هي من مسؤولية الدولة التي تمسك بمفاصل التخطيط كأداة سيطرة وضبط، وليس كأداة لتيسير عيشة الناس وتطوير فرص حياتها.
ـ إن حالات التفجر السكاني في القاهرة وريو دي جانيرو وبنغلاديش وجوانب طوكيو وأحياء الأميركيين من أصل أفريقي في ميشيغان وواشنطن نفسها وحول باريس - كلها تنتج معدلات عنف أعلى مما نشهده نحن هنا.
ـ كل حالات غياب الدولة وسلطة القانون والردع عن أي حيز في أوروبا وأفريقيا وآسيا والأميركيتين، وتخلي المركز عن الأطراف وترك سكانها إلى مصيرهم، سيؤدي بالضرورة إلى عنف مدمر، خاصة إذا كان الجيش وقوات الأمن هم مصدر 90% من قطع السلاح وتكنولوجيا الجريمة - كما هنا! ناهيك عن نشوء حالات الفقر والعوز والتبعية الاقتصادية للمركز، على ما يعنيه ذلك من تفكك المجتمع و"استعداده" لفعل كل شيء في إطار صراع البقاء. وهي الحالة في مساحات واسعة نسبيًا من مجتمعنا.
ـ لقد تخلت الدولة عن العرب بنسبة تزيد عن خمسين بالمئة (فهي لا تزال تهدم بيوتهم وتفرض عليهم غرامات باهظة، ولا تزال تجبي الضرائب ورسوم التأمين الوطني ولا توصلهم بالكهرباء والبنى التحتية) - وأخشى أنها وصلت إلى قرار بتركهم يغرقون بدمائهم. كما فعلت سلطات دولة جنوب أفريقيا العنصرية لعقود. وهو قرار يتجسد في أنها أرخت الحبل لعائلات الجريمة أو "صادقتها" أو استعملتها، فصار العنف أو "حالة الحكم" هي جزء من النتائج.
ـ كلما زاد الاغتراب لدى مجموعات سكانية، وكلما زاد تهميشها وإقصاؤها (ونحن أصلانيون، الأمر الذي يعمق الغربة ويشيع اليأس من إمكانية إنصافه) خصبت أرض العنف، خاصة عندما يصل الإنسان إلى استنتاج أن الدنيا مسدودة تمامًا في وجهه، وأن الشريعة شريعة غاب، وأن عليه أن يأخذ زمام "القانون" إلى يديه كي يبقى أو يموت!
ـ لا مفر من مقاربة العنف مقاربة متعددة المجالات - تاريخية واقتصادية وسياسية واجتماعية وقانونية - كي تصح القراءة، فيصح خطابنا ونعرف تمامًا من يتحمل هذا القسط أو ذاك من المسؤولية، فلا نرمي كلامًا تيئيسيًا محبطًا مكرورًا، بل نقول كلامًا مسؤولًا، هو نقطة البداية الضرورية لمواجهة هذه المحنة.
ـ قارنوا أوضاع قرانا وبلداتنا في الخمسينيات والستينيات مع وضعنا اليوم، أو قارنوا أوضاع بلدة عربية فلسطينية شرقي الخط الأخضر مع قرية مماثلة في عدد السكان غربي الخط - وستصلون إلى أسئلة تتحدى نظرية السلطة والنظريات المنسوخة عنها.
ـ أما بالنسبة لعلماء الاجتماع والمربين و"الناشطين" والفاعلين السياسيين و"مصممي الرأي" بما فيهم الإعلاميون والإعلاميات العرب وأسئلتهم والرؤساء والنواب - أقول: لا يمكن لمجتمع ما أن ينهض أو يواجه مصيره إلا إذا قرأ ذاته ومحنه بلغته، لأن الأساس هو امتلاك زمام الأمور بما فيها إرادة قراءة المحنة أو الأزمة. أو بلغة أخرى: لا يمكن حل محنة العنف طالما أن القراءة استشراقية وبعين كولونيالية. ولو من كون السياسات الاستشراقية ضالعة في إنتاج هذا العنف وغير جادة في حديثها عن محاربته. وتجدر الإشارة هنا إلى حقيقة أن الدولة وحدها هي صاحبة الصلاحية في حفظ أمن الناس وحيواتهم وممتلكاتهم، وأن لا أحد من "النواب العرب" و"الرؤساء" يملك أي صلاحية في مداهمة وكر للجريمة أو نزع سلاح أحد!
وأخيرًا - قراءتنا للعنف استشراقيًا لا تختلف عن قراءتنا للسياسة على هذا النحو ولجوانب حياتنا الأخرى - صحيح أن الناس تكتب بالعربية أحيانًا، لكن مضمونها ليس عربيًا!
وطأة 2025 على الضفة الغربية
قراءة محنة العنف قراءة ضد استشراقيّة
الثالوث المرعب: البرد، والعدوى، والمجهول في زنازين 2026
هل استقر الأمر لواشنطن لقيادة العالم؟
أربع حبات باذنجان
بين الزيارة والصمت: ماذا تفعل الرمزية حين يُعلَّق حق الحياة؟
إسقاط مادورو: إسرائيل المستفيد الأكبر





