بين الزيارة والصمت: ماذا تفعل الرمزية حين يُعلَّق حق الحياة؟
لم تكن زيارة أنجلينا جولي إلى معبر رفح حدثًا عابرًا في رزنامة المشاهير، ولا مجرّد صورة تُضاف إلى أرشيف التضامن الإنساني. جاءت الزيارة في لحظة سياسية وإنسانية خانقة، حيث تُعلَّق أنشطة منظمات الإغاثة في غزة، وتُشدَّد القيود على دخول المساعدات، ويُترك المدنيون بين حصارٍ متجدد وبيروقراطية قاتلة.
هنا، تصبح الزيارة سؤالًا أخلاقيًا أكثر منها خبرًا: ماذا تفعل الرمزية حين يُمنع الحقّ في الحياة؟ في رفح، لا تُقاس المعاناة بعدد الشاحنات المتوقفة فقط، بل بزمن الانتظار.
كل ساعة تأخير تُترجم نقصًا في دواء، أو ماء، أو مأوى، أو دفء. وحين تتكدّس المساعدات خلف بوابة مغلقة، تتحول الإغاثة من فعل إنساني إلى رهينة قرار سياسي.
زيارة جولي، بصفتها مبعوثة أممية سابقة وخبرة طويلة في ملفات اللجوء، وضعت هذا التناقض في الواجهة: العالم يرى، لكن القرار لا يتحرّك بالسرعة اللازمة. اللافت في الزيارة ليس حضور نجمة عالمية بقدر ما هو توقيتها. فبينما تُبرَّر القيود على عمل المنظمات بذرائع أمنية وإجرائية، تتراكم الوقائع الإنسانية على الأرض: مستشفيات بلا وقود، أطفال بلا علاج، وعائلات بلا مأوى. في هذا السياق، تُذكّرنا الزيارة بأن الإغاثة ليست منّة، بل التزامًا قانونيًا وأخلاقيًا، وأن حماية العاملين الإنسانيين ليست تفصيلًا إداريًا، بل شرطًا لإنقاذ الأرواح.
لكن السؤال الأعمق: هل تكفي الرمزية؟ التاريخ القريب يقول إن الزيارات وحدها لا تفتح المعابر، ولا تُسقِط القرارات التي تعلّق العمل الإنساني.
ما تفعله الرمزية هو كسر الصمت، وإعادة توجيه الضوء.
غير أن الضوء يحتاج إلى ضغطٍ سياسي حقيقي، وإلى مساءلة دولية لا تُراوغ بين الأمن والإنسان. هنا، تتحدد قيمة الزيارة بقدرتها على تحويل الاهتمام إلى فعل: تسريع إدخال المساعدات، رفع القيود عن المنظمات، وضمان وصول الإغاثة دون شروط تُفرغها من معناها.
فلسطينياً، لا يمكن فصل الإنساني عن السياسي. فالكارثة ليست طارئة؛ هي نتيجة بنية حصار طويلة، وسياسات تُدار بمنطق "الاستثناء الدائم". تعليق عمل المنظمات في ذروة الحاجة ليس إجراءً محايدًا، بل قرارًا له ثمن بشري مباشر.
حين يُطالَب العاملون بتسليم بيانات تهدد سلامتهم، وحين تُقيَّد حركتهم، يصبح العمل الإنساني نفسه ساحة صراع. وفي هذا الصراع، يدفع المدنيون الثمن. زيارة جولي تُحرج هذا الواقع، فهي تقول إن المشكلة ليست نقص التعاطف العالمي، بل فائض المماطلة. تقول إن المساعدات موجودة، لكنها محتجزة وأن المعاناة ليست غير مرئية، بل مُتجاهلة.
ومع ذلك، يبقى التحدي: كيف نمنع تحويل التضامن إلى مشهد عابر؟ كيف نضمن ألا تُستَهلَك الصور وتبقى الأبواب مغلقة؟
الإجابة تبدأ من إعادة تعريف الأولويات، حماية المدنيين ليست بندًا تفاوضيًا، وإدخال الدواء والغذاء ليس ورقة ضغط. والمسؤولية الدولية لا تُقاس بعدد البيانات، بل بقدرة المجتمع الدولي على فرض احترام القانون الإنساني.
إذا كانت زيارة واحدة قادرة على إعادة القضية إلى واجهة الأخبار، فالمطلوب أن تتحول إلى سلسلة أفعال: آليات رقابة، جداول زمنية واضحة لإدخال المساعدات، وضمانات لحماية المنظمات والعاملين.
في النهاية، لا تُنقِذ غزة زيارة، ولا تُغلق جرحًا صورة، لكنها قد تُعيد ترتيب السؤال: من يملك القرار، ومن يدفع الثمن؟ حين تقف أيقونة عالمية أمام معبر مغلق، فهي لا تحمل الحل، لكنها تضع الإصبع على الجرح.
ويبقى على العالم أن يقرر: هل يفتح الباب، أم يكتفي بالمشاهدة؟ غزة لا تحتاج مزيدًا من الرموز؛ تحتاج قرارًا. والإنسان، قبل أي اعتبار، يستحق أن تصل إليه الحياة دون إذن.
الثالوث المرعب: البرد، والعدوى، والمجهول في زنازين 2026
قراءة محنة العنف قراءة ضد استشراقيّة
هل استقر الأمر لواشنطن لقيادة العالم؟
أربع حبات باذنجان
إسقاط مادورو: إسرائيل المستفيد الأكبر
أسامة النجار… من سلالة القادة الذين تصنعهم المواقف
هل النظام الضريبي في فلسطين عادل؟





