غياب الفلسطيني والمراهنة على الزمن
مقالات

غياب الفلسطيني والمراهنة على الزمن

فوجئ الكثير من المعلقين الفلسطينيين على وسائل التواصل الاجتماعي من غياب ممثل فلسطيني رسمي، أو بمعنى أدق كأنّهم فوجئوا "عملوا أنفسهم مش شايفين"؛ خاصة أنّهم يعلمون أنّ الفلسطينيين لم يدعو لقمة شرم الشيخ للتوقيع على خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ووقف إطلاق النار في غزة، وأنّ الفلسطينيين منذ أكتوبر/ تشرين الثاني 2023 لم يجلسوا على طاولة المفاوضات فسقطوا منها وعنها، وباتوا متفرجين عليها ومنتظرين مصيرهم منها. 

يعتقد الفلسطينيون أنّ حالة الانتظار قد تكسبهم جزءاً مما فقدوه من مكانة منطلقين في ذلك من مسلمات تحتاج إلى نظرٍ وتحقيقٍ وتدقيقٍ وهي:

الأولى؛ بحتمية انتصار الشعوب على الاستعمار. والثانية؛ المراهنة على صمود الشعب الفلسطيني في مواجهة إجراءات الاحتلال الإسرائيلي التعسفية. فيما الثالثة؛ يسود الاعتقاد لدى السياسيين الفلسطينيين أنّ أيام زهو الرئيس ترامب ستكون معدودة إما بعد إجراء الانتخابات النصفية نهاية العام 2026 للكونغرس وتبدل القوى السياسية باتجاه فوز الحزب الديمقراطي بالأغلبية فيه، أو أنّ العمر السياسي لولايته الثلاث سنوات المتبقية هي فترة قصيرة مقارنة بسنوات القهر والظلم الذي عانى فيها الشعب الفلسطيني ويمكن تحمل آلامها. ورابعاً؛ المراهنة على تحولات في النظام الدولي، الذي لن يُبقي الولايات المتحدة تتسيده، تقوده لحدوث تصدعات متعددة داخل التحالف الغربي ببروز مؤشرات انفضاض دول مركزية منه مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا وكندا من حولها، ونهوض دول وكتل منافسة لها تحول النظام الدولي إلى متعدد الأقطاب أو الرؤوس. وخامساً؛ وجود مسارٍ موازٍ لمسار خطة ترامب يتمثل بمخرجات مؤتمر نيويورك الداعي لتنفيذ خيار حل الدولتين يمكن الاعتماد عليه كنقيض لمسار ترامب نتنياهو المتمثل بخطة ترامب "للسلام". 

في ظني أنّ المراهنة على الزمن يبدو ساذجاً؛ لأنّ الزمن لا يعمل لصالح الضعفاء أو الذين لا يقومون بتصليب جبهتهم الداخلية وترميمها وتقوية جدرانها وتعظيم قدراتها، وأنّ التعويل على الآخرين للانتصاب للقضية الفلسطينية، أو أنّ يكونوا في محل الفلسطينيين وفعلهم، يبدو واهناً؛ ففي العلاقات الدولية يهتم الأصدقاء والأضداد معاً بمصالحهم "مصالح دولهم"، فالحق والعدل لا يَحملان أو يُحملان في قواعد السياسة الدولية إلا بجزء يسير، والضعفاء "الذين فقدوا عناصر القوة الداخلية والحجة الخارجية" وحدهم يطالبون به أو يستهوون استخدامه.

إنّ السلوك السياسي يقوم على العناية الواجبة، أي يأخذ بالحسبان الأسباب والدواعي عبر رصد التغيرات وفهم التحديات والتعامل مع المؤشرات وتأثيرات الأطراف المختلفة، لخلق التحول أو إحداث التحول ذاته بناءً على القوة الذاتية أو بالتحالف مع القوى الأخرى بما يحقق مصالح المواطنين أو للوصول للعناية بتحقيق النتائج.

في ظني أنّ اعتماد السياسيين الفلسطينيين على الانتظار والمراهنة على الزمن لم يعودا من فعل السياسية أو قدر الفلسطينيين، كما أنّ الارتهان إلى النوايا الحسنة من المجتمع الدولي بات أقرب من الوصول إلى الاندثار؛ فالطريق إلى جهنم معبدة بالنوايا الحسنة.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر وكالة صدى نيوز.