في محاولة الكشف عن المستور  لماذا تغلبت "الأنا" على الـ"نحن" في القدس                          
مقالات

في محاولة الكشف عن المستور  لماذا تغلبت "الأنا" على الـ"نحن" في القدس                          

بداية لا بد من التنويه  أن الكاتب حاول الابتعاد قدر الإمكان عن التعميم، اذ هناك من لا تنطبق عليه ما سيأتي، وذلك تجسيد لحديث الرسول الأكرم " الخير فيّ وفي أمتي الى يوم القيامة" 

تجيء هذه الكلمات ليست كردة فعل على ما يجري، بقدر ما هي محاولة جادة للوقوف عند الأسباب، بعيدا عن الخوض في وحل التشخيص الذي بات مستهلكا ،كما لا نريد أن نبقي الأمر الواقع بالقوة الشمّاعة الوحيدة حين نتحدث عن أمور تجري في القدس، الأرض المقدّسة والتي لا بد أن تظهر فيها الأمور على علاتها ولو بعد حين.

فقط في القدس، بات المجتمع المقدسي يشعر ويتذوق مرارة السكر، جراء جرعات الوهم والزيف الذي تلقاها من صانعي القرار، وممن يفرضون ذواتهم خاوة وهم يفتقدون الى الشرعية . 

محور الحديث هنا ضراوة رحى المعركة الصوتية الدائرة اليوم حول التخبط في اتخاذ القرارات بخصوص أهم ركيزة من ركائز الهوية الوطنية ، ألا وهو نظام التربية والتعليم .

يحاول البعض اختزال هذا الاشتباك /المناوشة ،التي لم تتجاوز حدود البيانات وتعليق الدوام، في عدم إعطاء تصاريح للمعلمين من حملة هوية السلطة الفلسطينية وممن يعملون  في مدارس خاصة تقع داخل جدار الفصل، تعود  غالبية ملكيتها الى مؤسسات  دينية مسيحية والقليل  منها ما بات يعرف ب مدارس المقاولات  أو كما يصنفها الجانب الاّخر مدارس معترف بها لكنها غير قانونية.( يجدر التذكير هنا  أن الكاتب قد تناول الموضوع وباستفاضة من زاوية أخرى، مرارا ، تحت عناوين مختلفة ( " مصيدة العسل"  و" من أجل انقاذ ما يمكن أنفاذ ما تبقى لنا من التربية والتعليم "، سبق نشرهما في  هذا الموقع الإعلامي واسع الانتشار وفي تواريخ مختلفة)، محذرين من عواقب القبول بل والاذعان الى نهج التبعية الاقتصادية. ( للاطلاع على المزيد في هذا المجال انظر كتاب " دور العمال الفلسطينيين في الاقتصاد الإسرائيلي" للكاتب والصادر عام 1981 عن المكتب الفلسطيني للصحافة والاعلام، .شارع صلاح الدين، القدس

ثمة عوام أخرى ساهمت في انهاك بنية الممانعة في القدس ،مثل:-

•    دافع " الأنا" والعناد لدى الغالبية من المقدسين النجم عن تعدد مصادر الضغوطات النفسيّة والاجتماعية، مما يجعل غالبة الناس ترى كل في ذاته رأس كصندوق البصل، توصلت الى هذا بحكم عملي التطوعي في مجال الارشاد التربوي والنفسي

•    تعدد مصادر التعليم ذات الأهداف والرسائل المتناقضة في غالبيتها

•    حالات الشرذمة والانقسامات وغياب مرجعية واحدة لجميع القضايا المجتمعية، عكس ما كان علي الوضع أيام أمير القدس المرحوم فيصل الحسيني.

•    هجرة غالبية المؤسسات المقدسيّة الى ما وراء الجدار

شاهدت وعشت حلقتي صراع في هذا المجال، أولاها وأنا طالب مدرسة، امتدت منذ بداية العام الدراسي الأول بعد احتلال الجزء الشرقي من مدينة القدس عام 1967 حيث  حاول الاحتلال أسرلة كل جوانب التعليم في القدس، فتصدى في حينه ثلة من المخلصين الأوفياء للقدس، كان كابتن الفريق المرحوم المربي حسني الأشهب و أعضاء فريقه أذكر منهم  : المهندس إبراهيم الدقاق، المهندس داود الإسطنبولي، المربية علية نسيبة المربية زليخة الشهابي ....، وتم تسجيل هدف الفوز اليتيم للفريق المقدسي .( راجع دراسة الكاتب بعنوان مصيدة العسل وكذلك كتاب المهندس أبراهيم الدقاق " التعليم في القدس – ذو الغلاف الأبيض والصادر عن الملتقى الفكري العربي في حينه"

أما المرحلة الثانية ، والتي كنت لاعبا فيها، فامتدت من العام 1983 الى العام 1993 حيث شهدت أهدافا  ملموسة في مجال محاولات تشييد أوتادا للعملية التربوية، فكانت محاولة البناء على تأسيس اتحاد معلمين في الضفة الغربية وغزة عام ،حيث1977 قاد الفريق المربي المرحوم  محمد أبو لاوي، وتشكيل نقابة المدارس الخاص بمبادرة من المربي فريد الطويل، وتشكيل لجان المعلمين الديمقراطيين واتحاد العاملين في قطاعات التعليم  واللجنة العامة لمعلمي المدارس الحكومية، برز منهم المربي مالك مرمش والمربيتان نهى البرغوثي  وفدوى اللبدي والمربي صلاح زهران ....وجميعها اليوم تبخرت لأسباب مختلفة، لعل أحد عوامل التبخر هذه ميل البعض الى نهج العمل الفئوي التنظيمي الضيق، مما دفعني  الى الاستقالة من الفريق والتفرغ لمتابعة دراساتي العليا، والاكتفاء بدور المشاهد المتابع المستفيد من تجارب الماضي.

عودة الى ما يجري اليوم بخصوص تعليق الدوام. تقول أبسط قواعد العمل النقابي: أنت تقوم بالتعليق والاضراب، اذا كان الطرف الأخر مهتما بعملك وله فائدة منه، ، للأسف في واقع ما يجري يتمثل شعار الطرف الاّخر غير الخفي نحو التعليم العربي في القدس ب" ان علمتم حسنا، وان لم تعلموا فهو الأحسن" ، ثم كيف نبدأ نزاع عمل ونقوم بتعليق الدوام نهارا وفي المساء يقوم الصف الأول  بلقاءات احتفالية بمناسبة الأعياد!!! ناهيك عن اهدف السياسي وراء منع إعطاء التصاريح من قبل وزارة المعارف الإسرائيلية، حيث تود تمرير رسالة واضحة وجليّة بأن القدس جميعها تحت السيطرة الإسرائيلية كما فعلت  وزارة التصالات بقضية الجيل الرابع 4G 

من تجربة سابقة ، تعود الى فترة انتفاضة 1987 والتي تتلخص في الاقدام على شمل المدارس آنذاك في الإضرابات العامة واغلاق المدارس وما تمخض عن كل ذلك من تدني ملحوظ في التحصيل الأكاديمي وتفشيي مظاهر السلوك العدواني وحالات التنمر الذي عانى منها الجميع: المدرسة والبيت والمجتمع ككل، ناهيك الى المساهمة غير المباشرة في التقليل من أهمية التربية والتعليم المدرسي!!

حبذا لو بدلا من توظيف اصدار البيانات الداعية الى تعليق دوام الطلبة في هذه المدارس لو يتم:

- توظيف التعليم عن بعد، كما جرى ويجرى دوما في الحالات الطارئة مع ضرورة تأمين الحد الأدنى من المستلزمات الفنية والتقنية والتربوية بالتنسيق مع الأهل.

- إعادة النظر في استمرارية التبعية الاقتصادية وبدء العمل للتحرر منها

- انتهاج المزيد من فتح  الأبواب للطلبة المقدسيين( مقتدرين/ غي مقتدرين اقتصاديا،  كون هذه المدارس تتلقى دعما كاملا على كل طالب مسجل عندها وبهذا نكون قد تمكنا من وضع المزيد من فلذات الأكباد كأمانة تؤتمن عليها هذه المدارس وحققت إنجازا وطنيا وأخلاقيا من باب المسؤولية المجتمعية، ناهيك عن نتيجة فورية تتمثل في توسيع دائرة الالتفاف الشعبي حول هذه المدارس ومطالبها  المشروعة بدلا من حصر ذلك على فئة محدودة من المجتمع.     

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر وكالة صدى نيوز.