اجتماع بروكسل.. تدفقات مُبشرة لقطاع غزة لكنها شحيحة لسلطة تغرق بالديون
خاص بـ"اقتصاد صدى": أظهرت بيانات صادرة عن وزارة المالية والتخطيط أن حجم الدين العام على السلطة الفلسطينية ارتفع مع نهاية شهر أيار الماضي ليصل إلى نحو 49 مليار شيقل.
وكشفت البيانات أن الدين الأكبر يعود لصالح هيئة التقاعد المدني والعسكري بديون بلغت 15 مليار شيقل، فيما بلغت الرواتب المستحقة لصالح موظفي القطاع العام لغاية نهاية شهر أيار نحو 9 مليار شيقل، فيما بلغت مستحقات القطاع الخاص نحو 8.4 مليار شيقل، أما الاقتراض المحلي فقد بلغ 10.4 مليار شيقل، والاقتراض الخارجي بلغ 3.8 مليار شيقل، فيما بلغت ديون لجهات أخرى (غالبًا صناديق وهيئات عامة) نحو 2.4 مليار شيقل.
يذكر أن سبب انخفاض الاقتراض المحلي والخارجي يرجع إلى انخفاض سعر صرف الدولار خلال الفترة الأخيرة.
تأتي هذه الأرقام في وقت أنهت فيه السلطة الفلسطينية مشاركتها في الاجتماع الوزاري الثاني لمجموعة المانحين لفلسطين، الذي عقد في بروكسل، والذي قدم دعمًا أوروبيًا سياسيًا للسلطة الفلسطينية، وأعلن فيه عن تعدات بدعم أولي لقطاع غزة بقيمة 883 مليون يورو (نحو مليار دولار)، قد لا تغطي حجم الاحتياج الذي يقدر بأكثر من 70 مليار دولار، لكنها خطوة في الاتجاه الصحيح حسب ما يراها المراقبون. في الجانب الآخر، فإن مخرجات الاجتماع لا تقدم أي جديد لموازنة السلطة التي تعاني من مديونية عالية، وتقف عاجزة عن الايفاء بالتزاماتها تجاه القطاعات المختلفة في ظل استمرار إسرائيل باحتجاز أموال المقاصة لأكثر من 15 شهرًا.
دعم سياسي ينقصه دعم مؤثر للموازنة
وفي تعليقه على مخرجات بروكسل للمانحين، قال الخبير الاقتصادي سمير حليلة لـ"اقتصاد صدى" إن من أهم مخرجات هذا الاجتماع هو دعم شرعية السلطة الفلسطينية في مواجهة شرعية مجلس السلام، وهذا أهم بكثير من أي دعم مالي مباشر لتكريس الشرعية الفلسطينية ومنع عملية الفصل بين قطاع غزة والضفة الغربية، كما أن من إيجابيته توفير دعم مالي للعمل الإنساني والإغاثي وبدء عملية الإعمار في قطاع غزة بقيمة تصل إلى نحو مليار دولار، مشيرًا في الوقت ذاته إلى أن هذا المبلغ أقل بكثير من حجم الاحتياج، لكنه يعد خطوة أولى مهمة لبدء علية الإغاثة والإعمار في القطاع.
ويضيف "هناك مكسب سياسي، وهذه فرصة للسلطة الفلسطينية كي تعزز دورها في قطاع غزة ليس من خلال وجودها المباشر وليس بدعوة إسرائيلية أو أميركية، وإنما من خلال تعزيز علاقتها بالقطاع الخاص والمجتمع المدني وأن يبقى لها دور في تنفيذ المشاريع".
مبلغ شحيح
أما من من سلبيات مخرجات المؤتمر، يرى حليلة بأن الدعم المباشر لموازنة السلطة الفلسطينية كان شحيحًا، فمبلغ 41 مليون يورو لا يعد رقمًا مهمًا وإن كان يضاف إلى المبلغ الأوروبي المعلن في آلية بيغاس والبالغ نحو1.6 مليار يورو منها قرابة 620 مليون يورو لدعم الموازنة العامة على مدار ثلاث سنوات ويضيف "هذا المبلغ بكل تأكيد لا يلامس احتياجات الخزينة العامة وما ينتظره الموظف على صعيد تحسين نسبة صرف الرواتب، خاصة في ظل استمرار إسرائيل في احتجاز أموال المقاصة التي تشكل 68% من إيرادات الخزينة العامة دون وجود أفق للإفراج عنها.
وفي موضوع الإصلاح، أشار حليلة إلى أنه رغم أن الحاضرين كانوا يتحدثون بإيجابية في موضوع الإصلاح، وأبدوا رضاهم عن الخطوات الايجابية التي نفذتها السلطة الفلسطينة في هذا السياق، غير أنه تظل هناك ضرورة لإشراك القطاعات الاجتماعية والاقتصادية المحلية حتى تستطيع السلطة الفلسطينية تشكيل دعم مجتمعي لهذه الخطوات الإصلاحية.
وأشار إلى أن البنود الخمسة الواردة في برنامج الاصلاح مع الاتحاد الأوروبي، لم يتم التوافق على أولايتها وطنيًا، فالبند الأول من الخطة يتعلق بالأمور المالية والرعاية الاجتماعية والمقصود بها موضوع رواتب أسر الشهداء والأسرى والجرحى، وخرج تقرير مؤخرًا من شركة تدقيق مالي أميركية يؤكد التزام السلطة الفلسطينية بهذا البند، أما البند الثاني فيتعلق بالديمقراطية وحرية الرأي والتعبير وعقد الانتخابات، قائلاً إنه يوجد تقصير في هذا الجانب، وإن كان الأمر الوحيد الذي حصل فيه تقدم يتعلق بصدور مرسوم من الرئيس محمود عباس يعلن فيه عن موعد إجراء الانتخابات التشريعية في تشرين الثاني المقبل.
ضرورة الشراكة المجتعية في مناقشة ملف الإصلاح
ويخلص حليلة إلى وجود غياب للنقاش الفلسطيني حول البنود الواردة في خطة الإصلاح، فمثلا هناك بند يتعلق باصلاح البنية التحتية والمناهج التعليمية، لكن أحدًا لا يعرف التقدم في هذا الجانب، ولهذا هناك حاجة لشراكة مجتمعية لمناقشة بنود الإصلاح كي تنطلق من قناعة مجتمعية، منوهًا إلى أن الدعم المباشر للموازنة لا يلامس شعور الموظف واحتياجاته، وما ينتظره من تحسين على وضعه المالي.
وكان رئيس الوزراء الفلسطيني د. محمد مصطفى، قال في كلمة له على هاش مؤتمر بروكسل "منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، انكمش الاقتصاد الفلسطيني بنسبة 30%، وارتفعت نسبة البطالة إلى 50%، ما أدى إلى فقدان أكثر من 500 ألف مواطن لوظائفهم، وقد بلغ العجز المالي مستويات غير مسبوقة نتيجة استمرار إسرائيل في حجب عائدات المقاصة الفلسطينية والقيود التي فرضتها على نظامنا المالي والاقتصادي".
وأضاف مصطفى: "على مدى الأشهر الخمسة عشر الماضية، أوقفت إسرائيل بشكل كامل التحويلات المنتظمة لعائدات المقاصة الفلسطينية، ما أدى إلى تقييد قدرة الحكومة الفلسطينية على الإيفاء بالتزاماتها بشكل كبير، ورغم هذه التحديات ظلت الحكومة الفلسطينية فاعلة ومسؤولة وملتزمة بالإصلاح والاستقرار وبناء المؤسسات".
وفي رده على سؤال خلال المؤتمر حول شح الدعم المالي للخزينة العامة، أشار مصطفى إلى أنه دعم إضافي يأتي في إطار دعم مبرمج للاتحاد الأوروبي ضمن آلية بيغاس، مشيرًا على اهمية هذا الدعم لكنه لا يغني عن الأفراج عن أموال المقاصة التي تشكل الايراد الرئيسي للسلطة الوطنية.
أرقام مقلقة..
من جهته، يقول الخبير الاقتصادي د. سعيد صبري لـ"اقتصاد صدى" إنه يجب الفصل بين البعد السياسي والبعد المالي لمؤتمر بروكسل، مشيرًا إلى أنه من الناحية السياسية، حقق المؤتمر مكسبًا مهمًا بتجديد الدعم الدولي للسلطة الفلسطينية والتأكيد على دورها في مرحلة التعافي وإعادة إعمار قطاع غزة. أما من الناحية المالية، فإن مخرجاته لا ترقى إلى حجم الأزمة التي تواجهها المالية العامة الفلسطينية.
ولفت إلى ان الأرقام الصادرة عن وزارة المالية والتخطيط الفلسطينية مقلقة، لأن وصول الالتزامات والديون المتراكمة إلى نحو 49 مليار شيقل يعني أن الأزمة تجاوزت كونها أزمة سيولة مؤقتة وأصبحت أزمة مالية وهيكلية. فتراكم مستحقات الموظفين، ومستحقات القطاع الخاص، وديون صندوق التقاعد، كلها مؤشرات على ضغوط كبيرة تهدد النشاط الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.
وأضاف "صحيح أن الاتحاد الأوروبي أعلن عن تمويل مهم لدعم غزة، لكن هذا التمويل مخصص في معظمه للإغاثة وإعادة الإعمار، وليس لسد عجز الموازنة أو تمكين الحكومة من الوفاء بالتزاماتها المالية، لذلك لن يشعر الموظف أو القطاع الخاص بتحسن مباشر نتيجة هذه التعهدات، ولن يحقق أقل من المرجو من تحقيقه بسداد التزامات الحكومه للموظفين".
ونوه إلى أن جوهر الأزمة لا يكمن في نقص المساعدات فقط، وإنما في استمرار احتجاز إسرائيل لعائدات المقاصة، التي تشكل المصدر الرئيسي للإيرادات العامة، لافتًا إلى أنه حتى مع استمرار الإصلاحات التي تنفذها الحكومة وتحظى بإشادة دولية، فإن أي إصلاح مالي سيظل محدود الأثر إذا بقيت الحكومة محرومة من مواردها الأساسية.
وأكد د. صبري أن المرحلة المقبلة هي الأدق إذ تتطلب العمل على ثلاثة مسارات متوازية: أولاً، الضغط الدولي للإفراج عن أموال المقاصة، وثانياً، استمرار الإصلاحات المالية والإدارية لتعزيز ثقة المانحين والمستثمرين، وثالثاً، توجيه جزء أكبر من الدعم الدولي نحو تعزيز صمود المالية العامة، لأن استقرار مؤسسات الدولة لا يقل أهمية عن إعادة إعمار قطاع غزة.
تهديد بنزاع عمالي.. لجنة موظفي بنك مركنتيل الإسرائيلي ترفض دمجه مع ديسكونت
خطر الإلغاء يحدق بعشرات آلاف تذاكر الطيران بمطار بن غوريون
وزير المالية: المانحون يجددون دعمهم لأجندة الإصلاح التي تنفذها الحكومة
انخفاض مؤشر أسعار المستهلك في فلسطين خلال شهر حزيران 2026
أسعار صرف العملات مقابل الشيكل الثلاثاء (14 تموز)
الاقتصاد الإسرائيلي: زيادة كبيرة في الإنفاق على الجوانب الاجتماعية نتيجة الحرب
الاتحاد الأوروبي يطلق مبادرة مساعدات لغزة بقيمة مليار دولار






