البيت الفلسطيني... الجبهة الجديدة للاستيطان
مقالات

البيت الفلسطيني... الجبهة الجديدة للاستيطان

في غضون أيام قليلة، لم تعد أخبار استيلاء المستوطنين على منازل الفلسطينيين حوادث معزولة تتصدر العناوين، بل أصبحت نمطا متكررا؛ منزل قيد الإنشاء في جالود، ومنازل في تجمعات ريفية مُنع أصحابها من العودة إليها، واعتداءات دفعت عائلات إلى مغادرة بيوتها تحت وطأة الخوف. وبرغم اختلاف المواقع، فإن المشهد يكاد يتكرر بالتفاصيل ذاتها، بما يكشف أن ما يجري يتجاوز الاعتداءات الفردية إلى سياسة متعمدة لفرض وقائع جديدة على الأرض.

فالقضية هنا لا تتعلق بمنزل أو قرية بعينها، وإنما بطريقة يجري بها تحويل البيت الفلسطيني من فضاء للحياة والاستقرار إلى ساحة للصراع على الأرض والسيادة. وما إن تُقرأ هذه الحوادث مجتمعة، حتى يتضح أنها ليست مجرد انتهاكات متكررة، بل تعبير عن سياسة ممنهجة لإعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية، عبر السيطرة على المنازل، وإفراغ التجمعات السكانية، وفرض وقائع جديدة تجعل الاستيطان يتمدد من داخل البيوت، لا من أطراف المستوطنات فقط.

فالمنزل في التجربة الفلسطينية ليس وحدة سكنية فحسب، بل يمثل عنوان الملكية، واستمرار العائلة، والذاكرة الجماعية، والدليل المادي على الوجود التاريخي. ولهذا، فإن استهدافه يحقق للاحتلال ما لا تحققه السيطرة على الأرض وحدها؛ إذ ينال من الإنسان والذاكرة والهوية، ويقوض الإحساس بالأمان والانتماء، وهما الركيزتان اللتان تقوم عليهما أي جماعة بشرية.

وخلال الأشهر الأخيرة، تكررت أنماط متشابهة في مناطق متعددة من الضفة الغربية. تبدأ العملية بالترهيب المنظم، أو منع أصحاب المنزل من الوصول إليه، أو استغلال ظروف الحرب والتهجير، أو فرض واقع أمني يحول دون عودة السكان، ثم يظهر المستوطن باعتباره "الساكن الجديد" وما يبدو انتقالا في الإقامة ليس سوى انتقالٍ للسيادة الفعلية على المكان، حيث يتحول السكن إلى أداة لإعادة تعريف الملكية ورسم حدود السيطرة.

ولا تعتمد هذه السياسة على القوة المباشرة وحدها، بل على إدارة الزمن أيضا؛ فكل يوم يمر دون عودة أصحاب المنزل يمنح الاحتلال فرصة لترسيخ "الأمر الواقع"، حتى يتحول الاستيلاء المؤقت إلى واقع دائم.

والأخطر أن استهداف المنازل لا يقتصر على الحجر، بل يمتد إلى المجتمع نفسه. فعندما تُهجَّر العائلات، تتفكك شبكات الجوار، وتضعف العلاقات الاقتصادية والاجتماعية، وتتراجع قدرة المجتمع المحلي على الصمود. ومع مرور الوقت، لا يغيب السكان عن المكان فحسب، بل تغيب معه المدارس والأسواق والحياة اليومية التي تمنح الجغرافيا معناها الإنساني.

وفي هذا السياق، تؤدي مجموعات المستوطنين دورا يتجاوز كونها تجمعات مدنية. فهي تتحرك باعتبارها أداة لفرض وقائع سياسية وأمنية جديدة، توسع نطاق السيطرة تدريجيا، وتجعل من كل منزل تتم السيطرة عليه نقطة انطلاق لتغيير أوسع في محيطه، بما يفتح الطريق أمام توسعات لاحقة. ولذلك، فإن استهداف المنازل لا يمكن فصله عن المشروع الاستيطاني الأشمل؛ فالسيطرة على البيت تُمهّد للسيطرة على الحي، والسيطرة على الحي تُغيّر ملامح القرية، ثم تتحول القرية نفسها إلى جزء من واقع جغرافي وسياسي جديد يُراد له أن يبدو دائماً وغير قابل للتراجع.

ومن الخطأ النظر إلى هذه الوقائع باعتبارها اعتداءات فردية أو أحداثا متفرقة. فالتكرار المنهجي، والتوزيع الجغرافي للحوادث، وتزامنها مع ظروف الحرب والتهجير، كلها تشير إلى نمط سياسي واضح يهدف إلى تحويل النزوح القسري إلى تغيير ديموغرافي دائم، وإعادة تشكيل المجال الفلسطيني بما يخدم المشروع الاستيطاني. ولعل أخطر ما في هذه السياسة أنها تراهن على الزمن، فكل يوم يمضي دون عودة أصحاب المنازل يعزز الرواية التي يسعى الاحتلال إلى فرضها، ومفادها أن السيطرة الجديدة أصبحت أمرا طبيعيا، وأن الحق التاريخي يمكن أن يتآكل بفعل مرور الوقت وفرض الأمر الواقع.

إن المعركة اليوم لم تعد تدور فقط حول الحدود أو المستوطنات، بل حول البيت الفلسطيني نفسه. فالمنزل لم يعد مجرد مكان للسكن، بل أصبح ساحة صراع على السيادة والهوية والذاكرة. ولذلك، فإن الدفاع عن البيت هو دفاع عن الحق في البقاء، وعن استمرارية الوجود الفلسطيني على أرضه. ولهذا، فإن مواجهة هذه السياسة لا تبدأ بإحصاء عدد المنازل التي تمت السيطرة عليها، بل بفهم المشروع الذي يربط بينها جميعاً. فكل منزل يُنتزع من أصحابه ليس رقما جديدا في سجل الانتهاكات، بل حلقة في مشروع استعماري يسعى إلى إعادة تشكيل الأرض والسكان معا، وإحلال واقع جديد محل التاريخ الأصلي.

وحين يصبح الاستيلاء على منزل قيد الإنشاء حدثا عاديا في نشرات الأخبار، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في المنزل المفقود وحده، بل في اعتياد العالم على فقدانه. فالمعركة ليست على جدران من حجر، وإنما على حق شعب في أن يبني بيته، ويحمي ذاكرته، ويورث أبناءه وطنا لا يتحول فيه كل منزل جديد إلى هدف، ولا يتحول المفتاح الذي احتفظ به الفلسطيني، جيلا بعد جيل، من رمز للحق والعودة إلى شاهد صامت على عجز المجتمع الدولي عن حماية أبسط الحقوق الإنسانية: الحق في البيت، والحق في الأرض، والحق في البقاء.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر وكالة صدى نيوز.