لماذا تعثر الحراك الذي لم تدعُ له قيادات من داخل غزة نفسها يوم 26/6؟
مقالات

لماذا تعثر الحراك الذي لم تدعُ له قيادات من داخل غزة نفسها يوم 26/6؟

تعثر الحراك الذي شهدته غزة في 26/6 يمكن فهمه من خلال مجموعة من العوامل السياسية والاجتماعية والأمنية المتداخلة والتي جعلت الاستجابة الشعبية محدودة رغم وجود حالة غضب ومعاناة واسعة بين السكان.

أولاً: من أبرز الأسباب أن الدعوة للحراك لم تصدر عن قيادات أو شخصيات معروفة وذات ثقل داخل غزة بل جاءت من خارج السياق التنظيمي والاجتماعي المحلي هذا الغياب للقيادة الداخلية أو الغطاء المجتمعي الواضح خلق حالة من الشك لدى كثير من الناس حول طبيعة الدعوة وأهدافها ومدى تمثيلها لاحتياجاتهم الفعلية ما انعكس على مستوى المشاركة.

ثانياً : أولويات الناس في غزة كانت وما زالت مركزة على البقاء اليومي وتلبية الاحتياجات الأساسية وليس على الانخراط في تحركات سياسية غير واضحة النتائج فالأولوية كانت ولا تزال تتمثل في إغاثة الناس من الجوع وتوفير الغذاء وعلاج الجرحى والمرضى خاصة أصحاب الأمراض المزمنة وتأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة في ظل ظروف إنسانية قاسية.

كما تبرز الحاجة الملحة لإعادة الإعمار وتأمين المساكن والخيام خصوصا مع تدمير شامل طال البيوت والبنية السكنية و المدارس و الجامعات و المشافي إلى جانب  الحاجة و الاستعداد لفصل الشتاء وما يتطلبه من حماية للعائلات من البرد والأمطار كذلك تشمل الأولويات إعادة تشغيل البنية التحتية الأساسية مثل المياه والكهرباء وخدمات البلديات ومعالجة أزمة النفايات والمشكلات البيئية والصحية بالإضافة إلى مكافحة انتشار القوارض والحشرات والأفاعي والفئران في بعض مناطق النزوح والدمار وفتح المعابر وإعادة فتح المدارس والجامعات وعودة الخدمات الأساسية التي يحتاجها المجتمع.

ثالثاً: لم يكن هناك تصور واضح ومقنع لدى الكثيرين حول “ماذا بعد” الحراك أي ما هو البديل السياسي أو الأمني المتوقع في حال حدوث أي تغيير أو فراغ في السلطة هذا الغموض عزز مخاوف حقيقية لدى الناس من سيناريوهات الانفلات الأمني وظهور مجموعات مسلحة متعددة اضافة للموجود أصلا وتراجع سيادة القانون وهو ما يضع المدنيين في دائرة خطر أكبر.

فالكثير من المواطنين نظروا إلى تجارب أخرى شهدت انهيارا أو ضعفا في السلطة المركزية حيث أدى الفراغ الأمني إلى صعود مجموعات مسلحة متعددة ومتنافسة وازدياد مظاهر العنف والانتهاكات وتراجع قدرة القانون على حماية المواطنين ولذلك لم يكن السؤال بالنسبة لهم كيف يحدث التغيير فقط بل ماذا ستكون نتائجه على الأمن المجتمعي وحياة الناس اليومية.

رابعاً: لعبت الاعتبارات الأمنية دورا  كبيرا في ضعف أو انعدام المشاركة فالكثير من الناس تعاملوا مع فكرة الحراك بحذر شديد في ظل مخاوف من التعرض للموت أو الملاحقات أو الاعتقالات أو الأضرار المباشرة إضافة إلى الخشية من الانزلاق إلى مواجهة داخلية أو فوضى أمنية قد تزيد من معاناة السكان بدل تخفيفها وفي بيئة مثقلة بالحرب والضغط الإنساني تصبح كلفة أي خطوة ميدانية عالية جدا على الأفراد والعائلات مقابل اهداف غير محسوبة .

خامسا : هناك إدراك واسع لدى جزء كبير من المجتمع بأن أي حراك لا يضمن بالضرورة نتيجة سياسية واضحة أو تحسنا  مباشرا  في الواقع مقابل احتمالات عالية للمخاطر والانقسام والفوضى كما أن كثيرين رأوا أن المستفيد الأول من أي فراغ أمني محتمل لن يكون المواطن الغزي الذي يبحث عن الأمن والغذاء والمأوى بل المجموعات المسلحة الخارجة عن إطار القانون سواء تلك الموجودة حاليا أو أي مجموعات جديدة قد تظهر مستفيدة من انهيار سلطة القانون وتعدد مراكز القوة.

ويرى الجميع أن أي انهيار في منظومة الضبط القائمة قد يفتح الباب أمام توسع نفوذ هذه المجموعات وفرض وقائع جديدة على الأرض بما يهدد الأمن المجتمعي ويزيد من احتمالات العنف والفوضى والصدامات الداخلية.

كما يعتقد جزء من الشارع أن استمرار الفوضى والانقسام الداخلي قد يخدم أطرافا خارجية تسعى إلى إضعاف المجتمع الفلسطيني واستنزافه وتعميق حالة التفكك والانقسام وبحسب هذا فإن أي صدام داخلي أو فراغ أمني واسع قد يؤدي إلى إضعاف قدرة المجتمع الفلسطيني على تنظيم نفسه والدفاع عن مصالحه الوطنية وخلق ظروف أكثر ملاءمة لفرض وقائع سياسية وأمنية جديدة على الأرض تخطط لها اسرائيل مثل تهجير السكان و إقامة مستوطنات جديدة و تحويل غزة لمنتجع ترامب .

وفي الوقت نفسه فإن كثيرا من الفلسطينيين رغم غضبهم ومعاناتهم لا تغيب عنهم القضايا الوطنية الكبرى فهناك تمسك واسع بفكرة الدولة الفلسطينية ورفض لأي ترتيبات يُنظر إليها على أنها تتجاوز الإرادة الوطنية الفلسطينية أو تمس بشرعية التمثيل الوطني الفلسطيني.

في المحصلة يمكن القول إن تعثر الحراك لم يكن نتيجة عامل واحد بل نتيجة تفاعل بين غياب القيادة المحلية المنظمة وضغط الأولويات الإنسانية اليومية والخوف من الفوضى الأمنية والحرب الأهلية وغياب رؤية واضحة لليوم التالي إضافة إلى ارتفاع الكلفة الشخصية للمشاركة مقارنة بالأهداف المتوقعة.

ورغم كل ما ذُكر فإن ذلك لا يلغي وجود حالة واسعة من السخط والغضب الشعبي تجاه الواقع المعيشي والإنساني في قطاع غزة والتي تبقى حاضرة بعمق لدى شرائح كبيرة من السكان إلا أن هذا الغضب لم يكن كافيا لدفع قطاعات واسعة إلى الانخراط في حراك لا ترى له قيادة محلية واضحة ولا مشروعا متفقا عليه ولا ضمانات تمنع الانزلاق إلى مزيد من الفوضى والانقسام والمعاناة و الحرب الاهلية.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر وكالة صدى نيوز.