الثغرة الكبرى في خطة اليوم التالي لغزة: الجميع يتحدث عن حماس… ولا أحد يتحدث عن الدولة
أعادت ورقة معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) حول مستقبل غزة بعد الحرب طرح السؤال الذي يشغل المؤسسة الأمنية والسياسية في إسرائيل منذ أشهر: كيف يمكن منع عودة حماس إلى حكم القطاع؟
تقترح الورقة مزيجاً من الضغط العسكري المستمر وإقامة إدارات فلسطينية محلية وإطلاق مشاريع إعادة إعمار في المناطق التي يتم إخراج الحركة منها مع إشراك تدريجي للسلطة الفلسطينية وقوى محلية أخرى في إدارة الشؤون المدنية والأمنية.
قد تبدو هذه الأفكار عملية من منظور إدارة الأزمة لكنها تكشف في الوقت نفسه عن ثغرة جوهرية في التفكير السائد حول غزة فكل النقاش يدور حول كيفية إبعاد حماس عن السلطة بينما يكاد يغيب السؤال الأهم: ما هو النظام السياسي الذي يُفترض أن يحل محلها؟
المشكلة أن معظم التصورات المطروحة تتعامل مع غزة باعتبارها مساحة تحتاج إلى إدارة لا باعتبارها جزءاً من مشروع سياسي يفترض أن ينتهي بقيام دولة ومؤسسات مستقرة ولهذا ينصب التركيز على الأشخاص والجهات والبدائل لا على طبيعة النظام نفسه.
يُسأل الفلسطينيون باستمرار عمّن يجب أن يحكم غزة: حماس؟ السلطة الفلسطينية؟ إدارة انتقالية؟ لجان محلية؟ عشائر؟ مجموعات مدعومة من الاحتلال او الخارج؟
لكن السؤال الطبيعي في أي مكان آخر من العالم مختلف تماماً: لماذا يجب أن يختار الناس أصلاً بين هذه البدائل المسلحة أو شبه المسلحة؟ ولماذا لا يكون الهدف بناء دولة واحدة تحتكر السلطة والقانون والسلاح الشرعي؟
إذا كانت المشكلة في وجود قوة عسكرية خارج إطار الدولة فإن استبدال قوة مسلحة بأخرى لا يحل المشكلة وإذا كان تعدد مراكز القوة سبباً للفوضى وعدم الاستقرار فإن إنشاء مراكز قوة جديدة تحت مسميات مختلفة لن يؤدي إلى بناء نظام مستقر بل إلى إعادة إنتاج الأزمة بأشكال جديدة.
قد تختلف الأسماء والولاءات لكن النتيجة تبقى واحدة: سلاح متعدد، ومرجعيات متعددة، وغياب لسلطة واحدة قادرة على فرض القانون على الجميع.
إن المواطن الفلسطيني العادي لا يحتاج إلى فصيل جديد يحكمه ولا إلى مليشيا جديدة تدّعي حمايته ما يحتاجه هو مؤسسات تعمل وقضاء مستقل وشرطة مهنية وسلطة سياسية تستمد شرعيتها من الناس لا من السلاح.
ولهذا فإن جوهر النقاش يجب أن ينتقل من سؤال “من سيحكم غزة؟” إلى سؤال “كيف ستُحكم غزة؟”.
هل سيكون هناك قانون واحد يطبق على الجميع؟ هل ستكون هناك مؤسسات منتخبة وقابلة للمحاسبة؟ هل سيكون هناك جهاز أمني واحد يخضع لقرار سياسي موحد؟ وهل سيخضع الجميع بمن فيهم حماس وغيرها من الفصائل للقواعد نفسها؟
هذه هي الأسئلة التي تصنع الدول لا الأسئلة المتعلقة بتوزيع النفوذ بين القوى المتصارعة.
لكن هناك سؤالاً آخر لا يقل أهمية ويغيب عن معظم الطروحات الإسرائيلية الخاصة باليوم التالي: إذا كانت إسرائيل تطالب حماس بالتخلي عن سلاحها فما هو البديل الذي سيحمي المجتمع الفلسطيني بأكمله؟
الجواب المنطقي يجب أن يكون وجود سلطة وطنية فلسطينية قادرة وشرعية تحتكر السلاح وتوفر الحماية لجميع المواطنين فالمسألة لا تتعلق فقط بمستقبل الحركة أو كوادرها بل بمستقبل أكثر من مليوني إنسان يعيشون في القطاع.
وإذا كانت بعض الخطط تتحدث عن قوى محلية أو مجموعات مسلحة أو شبكات نفوذ جديدة تتولى إدارة بعض المناطق فإن الخشية لا تقتصر على احتمال استهداف عناصر حماس بل تمتد إلى احتمال ظهور مراكز قوة جديدة تفرض إرادتها على السكان خارج إطار القانون والمؤسسات وتمارس الثأر أو الانتقام أو تخلق أشكالاً جديدة من الفوضى.
التاريخ الحديث في العديد من مناطق النزاع يُظهر أن تفكيك قوة مسلحة لا يؤدي تلقائياً إلى قيام دولة ففي كثير من الأحيان ينشأ فراغ تملؤه مجموعات أخرى فتنتقل المجتمعات من هيمنة قوة إلى هيمنة قوة أخرى دون أن تصل إلى حكم القانون.
ولهذا فإن الفلسطيني الذي لا ينتمي إلى حماس ولا إلى أي فصيل آخر لديه مصلحة أساسية في أن تكون نهاية الحرب بداية لقيام نظام يحمي الجميع بالتساوي لا بداية لصراع جديد بين قوى متنافسة على السلطة والنفوذ.
إن المخرج الحقيقي لا يكمن في استبدال فصيل بفصيل أو سلطة محلية بأخرى بل في مشروع سياسي شامل يقود إلى دولة فلسطينية ذات مؤسسات موحدة وسلطة منتخبة وقضاء مستقل وأجهزة أمنية رسمية واحدة تحتكر السلاح وتخضع للقانون.
في مثل هذا النموذج لا تكون حماس استثناءً ولا غيرها استثناءً بل تتحول جميع الحركات والفصائل إلى أحزاب سياسية تعمل في المجال العام وفق قواعد ديمقراطية متفق عليها بينما تتولى الدولة وحدها مسؤولية الأمن وإنفاذ القانون.
قد يبدو هذا الهدف بعيداً في ظل الحرب والانقسام والاحتلال وانعدام الثقة لكنه يبقى أكثر واقعية على المدى الطويل من أي محاولة لإدارة غزة عبر ترتيبات مؤقتة أو سلطات متنافسة أو مراكز قوة متعددة.
وربما تكمن المشكلة الأساسية في معظم النقاشات الدائرة حول مستقبل غزة في أنها تنشغل بالسؤال الخطأ فبدلاً من التركيز على الأشخاص والفصائل والبدائل المؤقتة ينبغي أن ينصب الاهتمام على بناء المؤسسات والقواعد التي تنظم الحياة السياسية والأمنية للجميع فالدول لا تُبنى بتغيير الجهة الحاكمة فقط بل بإقامة نظام يقوم على القانون والمساءلة واحتكار السلطة الشرعية للسلاح.
لكن الوصول إلى هذا الهدف لا يتحقق بمجرد الإعلان عنه بل يتطلب مساراً سياسياً واقعياً يعالج الانقسام القائم ويوفر الشرعية الشعبية ويؤسس لمؤسسات قادرة على الحكم وتقديم الخدمات و الإعمار وحماية المواطنين ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس فقط من سيحكم غزة بعد الحرب بل كيف يمكن تحويل مرحلة ما بعد الحرب إلى خطوة على طريق بناء دولة فلسطينية قادرة وموحدة بدلاً من أن تكون مجرد فصل جديد من إدارة الأزمة.
وعندها فقط يمكن قياس نجاح أي خطة لليوم التالي: ليس بقدرتها على إبعاد طرف أو استبدال آخر بل بقدرتها على تقريب الفلسطينيين من دولة تحكمها المؤسسات والقانون وتمنح مواطنيها الأمن والتمثيل والكرامة على قدم المساواة.
ولهذا فإن نجاح أي خطة لليوم التالي لا يقاس فقط بقدرتها على منع عودة حماس إلى الحكم بل بقدرتها على الإجابة عن سؤال أكبر بكثير: هل تقود هذه الخطة نحو بناء دولة فلسطينية حقيقية أم أنها تؤسس لمرحلة جديدة من إدارة الأزمة؟ حتى الآن يبدو أن الجميع يتحدث عن حماس بينما لا يتحدث أحد بما يكفي عن بقية الشعب الفلسطيني وعن حقه في الحماية وحقه في دولة ومؤسسات وقانون واحد يسري على الجميع وربما تكون هذه هي الثغرة الأكبر في كل النقاش الدائر حول مستقبل غزة.
19 عاماً على انقلاب حركة حماس وهذه هي النتيجة
حارس مرمى العالم
من تضليل حصار غزة إلى تضليل سلاح حماس
على حافة الراتب ... وعلى حافة الوطن ..
لا انتخابات رئاسية
قراءة نقدية في كتاب: "المبادرات الوطنية: الماضي والحاضر والمستقبل"
عقود العمل السنوية و تطبيق صحيح القانون





