من حرب حزيران 1967 إلى حزيران 2026
بعد حرب حزيران 1967، تبجح الجنرال حاييم بار ليف عند تسلمه رئاسة أركان الجيش الإسرائيلي في الأول من كانون الثاني/ يناير 1968، بأن خطوط وقف إطلاق النار بعد الحرب مثالية لإسرائيل، وأن حربا أخرى لن تضيف إنجازات ميدانية (احتلالا لأراض عربية) ذات أهمية ولا تستدعي شن حرب أخرى، وأن حربا كهذه ربما تحسن حدود وقف إطلاق النار لتمتد إلى نهر الليطاني في لبنان، وجبل الدروز في سورية، وتل إربد شمالي غرب الأردن.
وخلص بار ليف إلى أن هذه المناطق الثلاث لا تستدعي حربا أخرى، وأن هدف الجيش هو الوصول إلى حالة ردع فعال تجاه العرب؛ "تُخرج من رؤوسهم إمكانية مهاجمتنا هجوما شاملا أو محدودا".
وأورد كتاب إسرائيلي عن حرب الاستنزاف أن بار ليف كرر تصريحاته بعد أشهر معدودة خلال جلسة لتقديم التقدير السنوي للجيش، بأنهم يسيطرون على مناطق "ممتازة"، حين قال "نسيطر هناك بقوة ولم يسبق أن كان وضعنا الأمني من ناحية السيطرة على الأراضي مريحا وجيدا كما هو اليوم".
انتهت ولاية بار ليف في رئاسة أركان الجيش في العام 1971، ودخل اسمه التاريخ بعد نحو عامين بانهيار خطه الحصين ذائع الصيت وسيئ السمعة، خط بار ليف، على الجانب الشرقي لقناة السويس مع انطلاق حرب أكتوبر 1973.
كان الإسرائيليون غارقين في نشوة القوة وسكرتها بعد حرب 1967، وخُيّل إليهم في خيالاتهم الجامحة بأن في مقدورهم تغيير جغرافية المشرق العربي، واجتزاء جنوبي سورية ولبنان وشمالي الأردن لخلق شريط أمني يكون خط دفاع أمامي على أعتاب دمشق وبيروت.
وبعد نحو ستة عقود من حرب حزيران 1967، لم تتغير إسرائيل من ناحية جشعها في احتلال أراض عربية وتحويلها إلى خط دفاع متقدم في أراضي العدو؛ كان يمكن لخطاب بار ليف أن يكون خطابا لرئيس الأركان الحالي إيال زامير. إذ ما زال الخطاب يتضمن احتلال المزيد من الأراضي العربية، واستئصال فكرة المقاومة أو القتال من وعي العرب من خلال تدفيعهم ثمن مقاومتهم باحتلال الأراضي وتدمير المباني، أو ما بات يعرف بعد حرب تموز 2006 بعقيدة الضاحية (الجنوبية)، أو ما يعرف في القاموس العسكري بسياسة الأرض المحروقة.
وأضف إلى ذلك، الاستخفاف بقدرة العرب على التخطيط والاستعداد للحرب والقتال. إلا أن وزير الأمن في حرب حزيران، موشيه ديان، كان له رأي مغاير في هذا الشأن، وإنْ لدوافع عنصرية واستشراقية، ومحاولة غير عقلانية لتفسير إصرار العرب على القتال لتحرير أراضيهم؛ إذ قال في لقاء مع دبلوماسيين أميركيين في تموز/ يوليو 1968، هما جورج بول وجوزيف سيسكو، خلال زيارتهما تل أبيب، "إن الوعي الذاتي لدى العرب له أثر كبير في تقديراتهم لاحتمالات نشوب حرب جديدة، وإن الكراهية لإسرائيل والرغبة في تدميرها، وكراهية كل الغرباء، ليست مسألة سياسية، لأن الجماهير المسلمة وتحديدا أبناء الطبقات الدنيا، الحرب إيمان وعقيدة لديهم، إذ يجب أن تقتل الكفار لمجرد كونهم غير مسلمين"، واستثنى من ذلك إيران الشاه. وفسر ديان التحاق الشبان العرب بالكفاح المسلح الفلسطيني حينها بأنه كراهية للغرباء الكفار، وبأن القتال والاستشهاد يؤديان إلى الجنة، متجاهلا أي بعد قومي ووطني أو سياسي في ذلك.
قد يكون هذا التحليل غير العقلاني لديان محاولة تحريضية مبكرة للدبلوماسيين الأميركيين على أن الحرب مع العرب دينية وحضارية، حرب ضد الغرب كله، وحرب الغرب كله؛ إذ إن في خطابه الشهير من العام 1956 في تأبين جندي في كيبوتس ناحول عوز على حدود قطاع غزة، يقر ديان نفسه بأن سبب الكراهية والرغبة بالانتقام لدى سكان غزة هو التهجير والاحتلال وليس المحرك الديني.
وسنجد مثل هذه الآراء العنصرية تجاه العرب والمسلمين عند "مُنظّر مكافحة الإرهاب الإسلامي" بعد أقل من عقدين، وهو بنيامين بنيامين، الذي حوّل "تبصرات" ديان غير العقلانية عن العرب والمسلمين وحصرها بالكراهية للكفار، إلى تيار غربي لا يفسر العداء لإسرائيل والغرب بأسباب سياسية وتاريخية لها علاقة بالاستعمار والاستغلال، بل بأسباب تتعلق بالتكوين النفسي والوعي الذاتي المعادي للغرباء - الكفار بفطرته.
ومثلما يرفض نتنياهو الانسحاب من أي شبر من الأراضي العربية المحتلة، فقد سبقه ديان إلى ذلك وإلى ضرورة تحول المجتمع الإسرائيلي إلى "إسبرطة"، لتحمل الأعباء الاقتصادية الناتجة عن استمرار الاحتلال. فقد رفض ديان الانسحاب الإسرائيلي من سيناء، وقال إنه يفضل "اتفاقا أقل من اتفاق سلام يبقي شرم الشيخ بأيدينا، وأن يكون موقعا على ذلك من قبل المصريين بأن هذه هي الحدود، حتى لو حدود وقف إطلاق نار".
وسُئل ديان إن كانت إسرائيل قادرة على تحمل الأعباء المترتبة على احتلال الأراضي العربية لفترة طويلة، فقال "إنني أؤمن بأن بمقدورنا تحمل هذا العبء… في الاستعداد للحرب المقبلة والانتصار فيها، في إدارة المناطق (المحتلة) وفي محاربة (حركة) فتح. لكن شيئا واحدا ليس بمقدورنا فعله، وهو الاستمرار في العيش حياة هادئة في دولة وفرة… نحن مجبرون على أن نلائم حياة السلام… إلى حالة حرب. أن نخفض من مستوى المعيشة… لكي نتمكن من أداء هذه المهمات الثقيلة لفترة زمنية طويلة، الثقيلة بالموارد البشرية والمالية". وهو اقتصاد "إسبرطة" ذاته الذي دعا إليه نتنياهو.
مُني جيش بار ليف وديان بخسائر كبيرة في حرب الاستنزاف مع مصر، ولاحقا في حرب 1973، إلا أن حرب حزيران 1967 كانت الأكبر أثرا في العرب وفي إسرائيل أيضا، وجعلها الاحتلال المستمر دولة أكثر تطرفا دينيا وقوميا، وزاد من جشعها في التوسع العسكري في جنوبي سورية ولبنان، وربما في تل إربد كما فكر بار ليف مرة، وفاقم من عماها العنصري تجاه العرب كما عبر عنه ديان.
التكفيريون الذين أشار إليهم ديان خلال حديثه مع الدبلوماسيين الأميركيين هم اليوم على شاكلة سموتريتش وبن غفير وعصابات المستوطنين، أعضاء برلمان ووزراء في الحكومة.
نتنياهو ليس نقطة تحول في تاريخ إسرائيل في الصراع مع العرب، بل هو استمرار لنهج الآباء المؤسسين في الرغبة العدوانية في التوسع والعنصرية واحتقار العرب، ولا هو أكثر تسلطية منهم داخليا، لكنّ العرب، دولا وأنظمة، هم الذين تغيروا، وللأسوأ.
انتخابات المجلس الوطني .. إصلاح للمنظمة أم إعادة تعريف لها ؟
العلاقات العامة الحديثة: بين بناء الثقة واختبار الواقع
العودة إلى مشروع دولة (دحلانستان)
رغم كل شيء.. سنبقى هنا
قطاع الخدمات في السوق الفلسطيني: كيف انهارت سلسلة القيمة وتحول المضاعف الاقتصادي من محرك ل...
إسرائيل تسبق المفاوضات وترسم خرائط غزة الجديدة على الأرض
قوة بلا إستراتيجية...





