لجنة غزة بين الضرورة الإنسانية وفخّ إدارة الصراع
مقالات

لجنة غزة بين الضرورة الإنسانية وفخّ إدارة الصراع

الإشكالية الحقيقية التي تواجه الفلسطيني بعد إعلان ترامب بدء المرحلة الثانية من ما يدعى بـ"خطة السلام" لا تكمن في تعريف لجنة التكنوقراط التي جرى التوافق عليها فلسطينيًا وإقليميًا، وبموافقة أميركية، رغم ما سبق ذلك من تدخلات إسرائيلية واضحة. فهذه اللجنة، بالتعريف الفلسطيني والإقليمي، تُقدَّم بوصفها إطارًا خدماتيًا مؤقتًا، هدفه إدارة الشؤون اليومية لشعب منكوب، ومحاولة إعادة الحد الأدنى من مقومات الحياة بعد حرب الإبادة، لا أكثر.

غير أن السؤال الجوهري لا يُطرح انطلاقًا من هذا التعريف، وإنما حول المنطق الإسرائيلي الذي اعتاد توظيف كل مسار - إنسانيًا كان أم سياسيًا - في خدمة أهدافه الاستراتيجية بعيدة المدى. فمنذ تأسيسها، برعت إسرائيل في خلق الوقائع على الأرض، ثم فرضها كنقطة انطلاق لأي حديث سياسي لاحق، بعد طمس ما سبقها من حقوق وحقائق.

في هذا السياق، تبدو لجنة التكنوقراط في نظر إسرائيل أداة خدماتية، يمكن تفريغها من مضمونها لتصبح جسرًا محتملًا لإدارة الصراع تهربًا من حله، وربما مدخلًا محتملًا لتصفية القضية تدريجيًا، تحديدًا إذا ما نجحت في دفع الولايات المتحدة والغرب والإقليم للتعامل مع هذه اللجنة باعتبارها البديل العملي عن أي مسار سياسي حقيقي. فالتكنوقراط بالتعريف السياسي قد يُديرون شؤون الحياة، لكنهم لا يملكون - ولا يُفترض بهم أن يملكوا - حق تقرير مصير قضية وطنية بأكملها.

عليه، وبدلًا من غض الطرف عن المخاطر، أو التشكيك في طبيعة لجنة التكنوقراط ونواياها، لا يجدر بالموقف الفلسطيني المسؤول إلا أن يحذر من السياق السياسي الذي وُلدت فيه، إذ يفتقر هذا السياق إلى أي ضمانات صريحة تربط المسار الإداري المؤقت بأفق سياسي واضح. ففي السياقات الاستعمارية التي لا تحتكم للمعايير الأخلاقية، ليس من الطبيعي أن نقر بإدارة تقنية "محايدة" كعنوان معلق في الهواء، إذ سرعان ما تتحول الأدوات التقنية إلى أدوات سياسية، بمجرد فصلها عن سؤالي السيادة والحقوق.

فلقد أثبتت التجربة الفلسطينية، منذ اتفاق أوسلو وما تلاه، أن إسرائيل لا تتعامل مع الترتيبات الانتقالية بوصفها مراحل مؤقتة تقود إلى تسوية نهائية، ولكنها عادة ما تتعامل معها، كبدائل طويلة الأمد تتيح لها إدارة الحياة الفلسطينية تحت شرط الاحتلال، من دون الاقتراب من جذر الصراع سياسيًا. من هنا، فإن القبول بلجنة خدماتية بلا إطار سياسي ضامن، يُخاطر بتحويل إعادة الإعمار وإدارة الشأن المدني إلى آلية جديدة لـ"إدارة الصراع"، عوضًا من تفكيكه على نحو يفضي بنا إلى حله.

الأخطر من ذلك، أن نجاح اللجنة في أداء مهامها الخدماتية اليومية - وهو نجاح إنساني مطلوب - قد يُستخدم دوليًا لتبرير إدامة الوضع القائم، عبر تسويق مقولة مفادها أن "الاستقرار ممكن بلا حل سياسي"، وهي المقولة التي لطالما شكّلت العمود الفقري للرؤية الإسرائيلية في التعامل مع القضية الفلسطينية على مدار عقود طويلة.

وفي السياق الأوسع المرتبط باللحظة الكاشفة لاختلال موازين القوى حول العالم، لا يمكن فصل الأهداف الاستراتيجية للبيت الأبيض في دعمه – كما يدعي – للجنة التكنوقراط، عن المنطق الذي حكم مقاربة واشنطن للصراع خلال العقدين الأخيرين، وهو منطق يقوم على استبدال الحلول السياسية بإدارة محسّنة للصراع. فحين يكرر الرئيس ترامب مقولة "السلام بالقوة"، لا يحيل ذلك إلى سلام قائم على العدالة أو التسوية التاريخية، وإنما إلى فرض ترتيبات إدارية وأمنية تُنتج قدرًا من الهدوء الوظيفي يسمح بتمرير أولويات أخرى، في مقدمتها مشروع "السلام الإبراهيمي".

بهذا المعنى، تبدو غزة نموذجًا متقدّمًا يرسخ مفهوم الإدارة المدنية منزوعة السيادة، التي ستفضي بالضرورة إلى إعادة إعمار بلا أفق سياسي، وضبط أمني مهمته ضمان عدم الانفجار، مقابل اعتراف دولي بمنطق "الاستقرار مقابل الحياة". فعند الموافقة غير المشروطة على مثل هكذا نموذج من المعادلات المعكوسة، لا يعود المستعمر بحاجة لخطاب تبريري، فهو نموذج يخدم، في جوهره، الأهداف الاستعمارية في لحظة دولية شديدة الحساسية والتعقيد، تخوض فيها واشنطن صراعًا مفتوحًا لمنع تشكّل نظام عالمي متعدد الأقطاب.

من هنا، يصبح “الاستقرار” في غزة جزءًا من معادلة جيوسياسية أكبر، ولكنه يقلل من تأثير بؤر التوتر التي قد تُضعف قدرة الولايات المتحدة على إدارة صراعها الاستراتيجي الأهم، حتى لو جاء ذلك على حساب تأجيل، أو تمييع، السؤال السياسي الفلسطيني. وهكذا، يُعاد تعريف "خطة السلام" لا بوصفها حلًا سياسيًا، وإنما كإطار ناظم للواقع القائم، وهو أخطر ما في هذه المقاربة.

في المحصلة، لقد خبر الفلسطينيون هذا المسار بداية من الإدارة المدنية بعد العام 1967، وصولًا إلى سلطة وُلدت انتقالية وبقيت معلّقة بلا سيادة. ما يؤكد أن المعضلة ليست في كون لجنة غزة، جاءت استجابة لضرورة إنسانية طارئة - فهي ضرورة فعلية لا يمكن القفز عنها - ولكن في خطر تحوّلها، كما علمتنا دروس التاريخ، إلى إطار دائم يُدار من خلاله صراع طال أمد حله، ليصبح السؤال الملحّ: هل نحن أمام معالجة حقيقية لضرورة إنسانية مؤقتة، أم أمام إعادة إنتاج هادئة لانتداب هجين، انتداب يقدم الخدمات بيد، ويؤجّل العدالة باليد الأخرى؟ وهنا، تحديدًا، نطرح سؤال لجنة تكنوقراط غزة بين الضرورة الإنسانية وفخّ إدارة الصراع - لا كخلاصة تحليلية تملك الحلول، ولكن كتحذير سياسي مفتوح يرفض التواطؤ.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر وكالة صدى نيوز.