قرية الشباب ... أنموذج على تحدّيات التنمية في ظل الاحتلال
مقالات

قرية الشباب ... أنموذج على تحدّيات التنمية في ظل الاحتلال

أتيحت لي الفرصة لأكون شاهداً على تطوّر قرية الشباب، كنموذج مُلهم للتنمية المستدامة في فلسطين، تلك القرية التي أسّسها منتدى شارك الشبابي منذ سنواتٍ خلت، وبجهود الآلاف من الشباب الفلسطيني من خلال إعادة إحياء العمل التطوعي، وعبر مئات الأيام التطوعية العملية، وتعتبر قرية الشباب القرية الوحيدة المفتوحة للشباب في فلسطين، من حيث المساحة والفضاء البيئي، وهي متنفس للمجموعات الشبابية المختلفة، وتحتضن سنوياً فعاليات متنوعة لآلاف الشباب الفلسطيني على امتداد الخارطة الجغرافية لفلسطين التاريخية، من القدس وقطاع غزة والضفة الغربية وحتى الشباب الفلسطيني من داخل الخط الأخضر، وتعتبر قرية الشباب انموذج للتفاعل الإيجابي مع الطبيعة الفلسطينية، وأيقونة وطنية للتنمية المستدامة بأبعادها المختلفة (الاقتصادية/ الاجتماعية/ البيئية)، عدا عن كونها مساحة آمنة لتعزيز تفاعل الشباب الفلسطيني مع حيّزهم الثقافي والاجتماعي والبيئي، وبناء قدراتهم المختلفة لتعزيز دورهم الإيجابي في المجتمع، وتمكينهم اقتصادياً واجتماعياً ومعرفياً ومهارياً ونفسياً، وتهيئتهم للعب أدوار قيادية في المجتمع الفلسطيني، وعملياً خرّجت القرية آلاف الشباب، بعد تجربة فريدة لهم في فعاليات القرية المختلفة، واتاحت لهم فرصة للتطور المعرفي والمهاري وبناء القدرات، والتفكير النقدي، خاصّة مع معاناة الشباب الفلسطيني من عدم توفر أماكن مخصصة لهم، وضعف الموازنات الحكومية المخصصة للشباب في فلسطين.

وتقع قرية الشباب في منطقة وادي كفر نعمة على بعد 13كم شمال غرب مدينة رام الله، وعلى مساحة 32 دونم من الأراضي غالبيتها (65.6%) مصنفة (ب)، و(34.5%) مصنفة (ج) تبعاًَ لتصنيفات اتفاقية أوسلو، أي ان الغالبية من اراضي القرية تخضع للإدارة الفلسطينية. وقد تم بناء القرية من قبل متطوعين شباب وباستخدام المواد الطبيعية من الوادي، وبدعم مؤسسات صديقة والمجتمع الفلسطيني، وتمثل القرية أسلوب الحياة المستدامة، وتحتوي على مركز مجتمعي، وحديقة تعليمية، ومبنى ومرافق صحية، ومنطقة تخييم وإقامة، ومساحات مفتوحة وسط الطبيعة الفلسطينية للمؤتمرات والمحاضرات والندوات، ومجموعة كبيرة من المساحات الرياضية والمرافق المتنوعة.

وعلى الرغم من كون معظم أراضي القرية ضمن المنطقة الخاضعة للسيطرة المدنية الفلسطينية، الا انها تتعرض لهجمات منظّمة من المستوطنين من التجمعات والبؤر الاستيطانية "الغير شرعية" والقريبة من القرية، وبحماية الجيش الإسرائيلي، تضمنت سرقة محتويات ومرافق القرية من الأثاث والأجهزة، وتدمير المرافق، واعتقال الشباب المشاركين في الفعاليات المدنية، وصولا الى منع تنفيذ فعاليات في القرية، الأمر الذي يخالف القانون الدولي الإنساني، سيّما اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر على قوة الاحتلال المساس بالممتلكات المدنية أو استهدافها، كما انه يخالف الاتفاقيات الموقعة ما بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل برعاية دولية.

فعمليا شكّلت قرية الشباب انموذجا ناجحاً للتنمية المستدامة في فلسطين بالعمل على الأرض، وبسواعد الشباب بعيداً عن الشعارات الطنّانة، وورش العمل المنمّقة، ولكن إجراءات الاحتلال ومستوطنيه تعمل على اجهاض هذه التجربة الريادية، وتظهر كم التحديثات للتنمية المستدامة في ظل الاحتلال.

وقد تطورت اعتداءات المستوطنين لدرجة وضع بوابة حديدية مقفلة على الشارع الواصل للقرية، وتمت ازالتها لاحقا من خلال حملة قام بها منتدى شارك الشبابي وبالتعاون مع الجهات ذات الصلة، ولكن هذا لا يكفي من اجل حماية القرية من رعاع المستوطنين، وإعادة الحياة لها كفضاء شبابي وحيّز مدني فلسطيني، الأمر الذي يتطلب حملة على عدّة مستويات من اجل حماية قرية الشباب ووقف الهجمات المنظمة للمستوطنين، وتأمين الحماية للمدنيين والمنشآت التعليمية والشبابية في القرية، ومن خلال  الأدوات القانونية الممكنة، وعبر أدوات الضغط والمناصرة عير المؤسسات الدولية، والجهات الرسمية الفلسطينية ومؤسسات المجتمع المدني، وعموم المجتمع الفلسطيني، فقرية الشباب، انموذج لما نسبته (80%) من كامل أراضي الضفة الغربية، والمصنفة (ب+ج) الأمر الذي ينذر بتكرار التجربة لاقتلاع المواطنين الفلسطينيين من بداتهم وقراهم وتجمعاتهم البدوية، واراضيهم الزراعية، ومصالحهم التجارية.

لذا لا بد من العمل معاً وتكاتف جهود مكونات المجتمع الفلسطيني كافّة لاجتراح استراتيجية لحماية القرى والبلدات الفلسطينية والتجمعات البدوية والريفية، فالانتظار يعني مزيد من التهجير، ومزيد من السيطرة الاستيطانية على الأرض، ومزيد من الخنق الاقتصادي والاجتماعي للشعب الفلسطيني، وتدمير للبُنى التحتية، واجهاض التنمية المستدامة، وانتظار "غودو" رهان خاسر.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر وكالة صدى نيوز.