السلطة بين نارين.. وجيبة الموظف "ألف خط أحمر"
رئيس التحرير

السلطة بين نارين.. وجيبة الموظف "ألف خط أحمر"

كتب رئيس التحرير: خاضت السلطة الوطنية معركة مع إسرائيل بسبب الخصم من أموال المقاصة بما يوازي ما تدفعه السلطة للأسرى والشهداء، ولم تستلم أموال المقاصة منذ ما يقارب 6 شهور، حيث عانت من عجز في توفير الخدمات الطبية في ظل جائحة كورونا وفي تصريف أعمالها ودفع رواتب موظفيها واقترضت من البنوك بفوائد مكلفة، حيث عانى ولا يزال الشارع الفلسطيني من ظروف اقتصادية خانقة بسبب تلك الإجراءات الاسرائيلية و بسبب رفض استلام المقاصة.

إسرائيل رغم إعلان الوزير حسين الشيخ بعودة كافة الاتصالات الأمنية والمدنية والاتفاق على تحويل كامل أموال المقاصة عاودت واتخذت قراراً بخصم 600 مليون شيكل من أصل 3.1 مليار شيكل قيمة أموال الضرائب التي تراكمت لدى إسرائيل في "فترة الرفض الفلسطيني"، بحجة انها دفعت للأسرى وذوي الشهداء (الإرهابين بنظرهم) مما يجعل السلطة في موضع العاجز عن القيام بمهامها ودفع رواتب موظفيها او حتى مواجهة الأعداد المتزايدة التي تصاب بفايروس كورونا.

قرار السلطة الآن مرهون بإحدى خيارين ان صدقت التسريبات الإعلامية الإسرائيلية فيما يتعلق بالخصم، اما استلام الأموال منقوصة وبهذا رضوخ شامل للمطلب الاسرائيلي وتخلٍّ عن نضال ومعاناة شعبنا لمدة عام بناء على قرار السلطة برفض استلامها او رفض هذه الأموال مرة أخرى و أفواه أبناء الموظفين وحتى أبناء الاسرى والشهداء تنتظر انفراج هذه الأزمة، وكذلك الشركات التي على وشك الانهيار والبنوك التي ايضا أصبحت عاجزة عن إقراض السلطة لدفع نصف راتب للموظفين وتطلب سداد مستحقاتهم ولا مجال للانتظار.

تحدثنا في مقالات سابقة ان رفض استلام أموال المقاصة (أموال الشعب الفلسطيني وحقهم) خطأ كبير وعقوبة للمواطن الفلسطيني وليس للاحتلال، وثبت ذلك ان اسرائيل لم تتأثر من هذا القرار بل تمادت واستغلت حاجة السلطة وخصمت منه أموالاً طائلة، ولهذا فإن إعادة الخطأ مرة أخرى ورفض استلام الـ 2.5 مليار سيكون أمراً مكلفاً جداً وخاصة ان المواطن لم يعد يحتمل، وكذلك المعلم والموظف وشركات الأدوية، فقد يحدث ما تخطط له اسرائيل: هبة شعبية ضد السلطة، وهنا تكتمل الكارثة وتنعدم التوقعات وتصعُب الخيارات.

المواطن الفلسطيني سيحتج على الخيارين، لكن مصلحة الوطن والشعب هي باستلام أي مبلغ  من المقاصة، وما يُغضب المحتل هو إبقاء وقف التنسيق والمفاوضات وتصعيد حالات الاشتباك السلمي مع الاحتلال، وواجب ان تتصرف القيادة بحكمة وبقرارات موزونة هدفها خدمة الشعب وان تحتمل آراء شريحة منهم ستنتقد ذلك بدعوى وتوقعات باطلة وغير صحيحة انه تم المس بحقوق الأسرى والشهداء.

الرئيس ابو مازن وتبعه رئيس الوزراء د. اشتية أعلنوا صراحة انهم لن يمسوا راتب الشهداء والأسرى وان اي قرش يتم استلامه تكون الأولوية في توزيعه للأسرى والشهداء بإعتبارهم مقاتلين من اجل الحرية.

الرواية الاسرائيلية بشأن رواتب الأسرى والشهداء وبدعم أمريكي ايضا تنتشر دولياً، وتَحَدث بها أوروبيون بشكل واضح مع السلطة الوطنية، والدول العربية لا وجود لدعهما الكامل لمواجهة الحلف الاسرائيلي ولم تنفذ شبكة الأمان، وبالتالي انعدام الخيارات الفلسطينية، ولا يتبقى لنا الا الاعتماد على الذات وعدم المراهنة على أحد سواء الأمة العربية والإسلامية أو الاتحاد الأوربي.

لدينا خلل كبير في إعلامنا ودبلوماسيتنا لمواجهة تلك الرواية المناقضة للقانون الدولي، وحق الشعوب في المقاومة تحتاج لتغيير شامل قبل تكالب الجميع علينا واخضاعنا نحن لتلك الإملاءات.

على السلطة الوطنية الاستفادة من أخطائها عندما أسرعت وأعلنت "الانتصار" وعودة التنسيق المدني والأمني وإعادة النظر بهذا الموقف.

السلطة بين ناريين أحلاهما مُر، وواجبها التروي في ردات الفعل ومن المهم ان تكون لدينا لجنة خاصة للقرارات الهامة توازي "الكابينيت الاسرائيلي" ولا يُسمح  بأي تصرف او قرار لهذه اللجنة الا بإعتماده من الحكومة أو الرئيس.

نقاط على الهامش:
-    على القيادة الفلسطينية أن لا تستخدم، ولو كانت مجبرة، أموال المقاصة والتي تعني أموال الرواتب في أي ضغط على حكومة الاحتلال الإسرائيلي، أي أن على القيادة تجنيب جيوب الموظفين تبعات أي أزمة مع الإسرائيليين، خصوصاً في ظل الوضع الاقتصادي المُنهك للشعب. يجب أن تكون جيبة المواطن من "التابوهات" أي المحرمات التي لا يجوز لأحد الاقتراب منها.

-    ربط إسرائيل بين التنسيق الأمني والمدني، وهو ما يعني ربط استلام أموال المقاصة باستمرار التنسيق والعلاقات كاملة معها يُحتّم على السلطة البحث لدى المجتمع الدولي عن بدائل لآليات استلام المقاصة، والبحث عن طرف ثالث يكون متعهداً لتسديد قيمة فاتورة المقاصة للسلطة في أي ظرف وتحت أي ضغط وبأي أزمة، حتى لا تعود أموال المقاصة ورقة ضغط إسرائيلية.